حمّى الإيجارات.. معاناة مستمرة ـ د. فاطمة البريكي

حمّى الإيجارات.. معاناة مستمرة

لا يملك المتأمل في المشهد الاقتصادي للدولة أن يخفي دهشتَه الممزوجة بالحسرة إزاء ما يراه من اطراد ظاهرة الغلاء واستمرارها، حتى باتت لفظة (الارتفاع) صفة صالحة لأن تُطلق على أي شيء بغض النظر عن طبيعته، ابتداءً من أسعار الوقود التي أخذت أولا في (الارتفاع)، مرورًا بأسعار المواد الغذائية، والأدوية ومعظم المواد الاستهلاكية، وصولاً إلى إيجارات المساكن، وهنا الطامة الكبرى!

قبل أيام قرأنا في جريدة (البيان) تحقيقًا عن الارتفاع الخيالي الذي تشهده إيجارات المباني والعقارات بصورة عامة في إمارة واحدة فقط من إمارات الدولة، هي إمارة أبوظبي. وقد كشف ذلك التحقيق عن معاناة حقيقية يعيشها المواطن والمقيم على حدّ سواء، دون أن يجدوا لدى المسؤولين آذانًا صاغية تسمع أنينهم المتواصل.

ونشيجهم الدائم، ودون أن يجدوا لدى المُلاّك وأصحاب مكاتب تأجير السكن قلوبًا رحيمة تتفهم أوضاعهم المادية الصعبة، الناتجة عن الزيادة والارتفاع في كل شيء إلا في الراتب؛

فكيف يمكن للموظف متوسط الدخل ومحدوده التوفيق بين هذين الطرفين المتباعدين؟ وكيف تتحقق له أسباب الراحة النفسية إن كان يعيش محاصرًا في يومه وشهره وسنته بأقساط لا أول لها ولا آخر؟

قد يقول قائل إن هذا الأمر يخص المقيمين في الدولة من غير المواطنين، أما المواطنون فلا يعانون من ارتفاع إيجارات المساكن، ولكن هذا الافتراض مردود، لأن الواقع يقول غير ذلك، فنحن جميعًا من مواطنين ووافدين مشتركون في هذه المعاناة، وسأتوقف عند معاناة بعض المواطنين بسبب ارتفاع إيجارات المساكن بعد قليل.

ولكن أود الإشارة أولا إلى أن معاناة الوافدين المقيمين في الدولة يجب أن تكون موضع اهتمامنا جميعًا، ومحل نظر المسؤولين في الجهات المختصة، لأن دولتنا بمثابة الوطن الأم لأي مواطن عربي، وقد اعتادت هذه الأم أن تفتح ذراعيها دائمًا لمدّ يد العون والمساندة لجميع الشعوب من عرب وغير عرب في مواطنهم الأصلية.

وقد عُرفت بكرمها ومبادرتها إلى كل ما من شأنه مساعدة المحتاجين وتحسين أوضاعهم في مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي وخارجهما، فمن الأولى أن يكون أبناء تلك الدول موضع اهتمامها ورعايتها حينما يصبحون مقيمين على أرضها، وذلك كي تبقى صورة دولتنا مشرقة دائمًا في عيون الجميع خارجها وداخلها.

ومن جهة أخرى فإن الجانب الإنساني المتأصل في دولة الإمارات حكومة وشعبًا يفرض علينا جميعًا مراعاة أوضاع الإنسان المقيم على أرض الدولة بغض النظر عن كونه مواطنًا أو وافدًا، ومن هنا يجب أن نحسن الإصغاء إلى مشاكل الإنسان المقيم على أرض دولتنا وأن نتفهم معاناته ونساعده على حلها، ولعل أهمها في الفترة الحالية مشكلة الغلاء وارتفاع الإيجارات.

أما عن معاناة المواطنين من هذه المشكلة فهي واقع وحقيقة وليست ادعاءً ولا تجنيًا، ولعل من أهم أسبابها عدم حصول بعض الأسر المواطنة، من ذوي الدخل المحدود والمتوسط غالبًا، على سكن حكومي في إماراتهم حتى اليوم، رغم نشاط حركة توزيع المساكن الشعبية في الدولة خلال السنوات الأخيرة الماضية، ولكن يبدو أن مثل هذه الإجراءات تستلزم وقتًا غير قليل.

ومن أسباب تأخر بعض هذه الأسر في الحصول على مسكن شعبي حكومي كون الأسرة صغيرة العدد، أو أنها لا تزال على القائمة ويجب عليها انتظار دورها كما انتظر غيرها.

وقد تكون الأسرة حاصلة على أرض حكومية ولا بد لها من انتظار القرض للبدء في البناء، فلا مناص حتى ذلك الحين من استئجار مسكن.

كما يوجد عدد من المواطنين يسكنون بالإيجار في إمارات أخرى غير إماراتهم بسبب ظروف العمل التي يضطر المواطن معها إلى استئجار سكن يأويه -وعائلته أحيانًا- طيلة أيام الأسبوع.

ويذهب في آخره إلى إمارته ليعيش إحساس وجوده في بيت يملكه، علمًا بأن محاولات معظم هؤلاء المواطنين العاملين في غير إماراتهم الحصول على مسكن حكومي في الإمارة التي يعملون فيها باءت بالفشل، لأن شرط الحصول على سكن حكومي هو أن يكون جواز سفر المتقدم للحصول على هذا السكن صادرًا من الإمارة نفسها التي يريد الحصول على مسكن حكومي فيها!

وهنا نواجه إشكاليات عدة في مشكلة واحدة؛ فمثل هذا الشرط يتعارض مع إحساس الوحدة الذي نشأنا عليه، ونشأ الجيل الحالي خصوصًا وهو يلهج به.

ويرى في إمارات الدولة إمارة واحدة ودولة واحدة، لا فرق بين مواطنيها، ولكن فعليًا يوجد فرق في بعض المعاملات الحكومية، كوضع هؤلاء الموظفين المواطنين وحقهم في الحصول على سكن يزيل عنهم شبح التنقل بين الإمارات المختلفة أسبوعيًا، مع ما يحمله هذا التنقل من سلبيات، كالتسبب بالاختناقات والازدحامات في بعض مناطق وشوارع الدولة الحيوية والرئيسية.

والحوادث المرورية التي يروح ضحيتها عدد من أبناء الوطن والمقيمين على أرضه نتيجة تهور بعض السائقين على الخطوط السريعة رغبة منهم في الوصول إلى مقارّ أعمالهم في الوقت المحدد.

بالإضافة إلى ما يترتب على القيادة لمسافات طويلة وبصورة دورية (أسبوعيًا تقريبًا) من مشاكل صحية تتكبد الدولة تكاليف تغطية نفقات علاجها في الخارج لأن أغلبها مشاكل تتعلق بالظهر والعمود الفقري وتحتاج إلى إجراء عمليات شديدة الدقة والحساسية تتطلب السفر إلى خارج الدولة، وغير ذلك من سلبيات ومخاطر.

ومن جهة أخرى، نجد أن منح هؤلاء الموظفين المواطنين مساكن حكومية في الإمارة التي يعملون فيها بالإضافة إلى مساكنهم في إماراتهم التي يقطنون فيها أساسًا سيؤدي إلى تنَعُّم بعض المواطنين بمسكنين أو أكثر في الوقت الذي لا يملك فيه غيرهم من المواطنين سكنًا واحدًا لسبب من الأسباب المذكورة أعلاه.

الموضوع شائك بلا شك، ويحتاج إلى عمق في الرؤية وشمولية في النظر كي يتمكن المسؤولون في الدولة من إيجاد حل له. ولكن مبدئيًا يمكن اتخاذ بعض الإجراءات التي تخفف من حدة البلاء، تكون بمثابة حل مؤقت لمشكلة الارتفاع المطرد في إيجارات المساكن، وهي المشكلة التي يعاني منها المواطن والمقيم على حد سواء.

وذلك بتخفيض الإيجارات التي بلغت أرقامًا خيالية، أو على الأقل وقف الزيادة المستمرة فيها، والتي تنبأت الجهات المختصة في الدولة باستمراريتها على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

sunono@yahoo.com

جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات