أبجديات

التاريخ لا ينتهي.. إنه يعيد نفسه!

11 سبتمبر، تاريخ غريب جداً، وتحديداً في القارة الأميركية بجزأيها الشمالي والجنوبي!

ففي الحادي عشر من سبتمبر عام 1973، انتحر الرئيس التشيلي سلفادور الليندي في قصر المونيدا الرئاسي، مفسحاً الطريق الوعر أمام الجنرال بينوشيه ليحكم تشيلي بالحديد والنار، إثر انقلابه على صديقه الاشتراكي والمناضل والأخلاقي جداً.. الليندي.

الذين كتبوا عن انتحار الرئيس الليندي، لم يصفوا فعله ذلك بالهروب من الواقع الذي دفعه إليه صديقه الذي انقلب عليه، لم يصفوا انتحاره بالفعل اليائس.

ولم يصفوا الرئيس بالبطل الذي أراد أن يحول نضاله إلى أسطورة حياً وميتاً، لقد وصفوه بالفعل السياسي الواقعي، الذي أراد من خلاله أن يقول للتشيليين بأنه دخل القصر الرئاسي صباحاً ولم يغادره هارباً أو سجيناً أو منفياً، وإنما مواطناً عشق بلاده.

وأراد لها مستقبلاً يختلف عما خططته الولايات المتحدة واليمين المتطرف، مستقبل لا تكون فيه تشيلي سوى جمهورية موز لا أكثر ولا أقل.. انتحر الليندي ليحول موته إلى وصمة عار في جبين بينوشيه العسكري الذي حمل عاره حتى وهو يعتقل تشيلي كلها في زنازين العسكر وثياب الجنرالات، وينحرها سياسياً قبل أن ينحره التاريخ مغضوباً عليه ومطارداً.

اليوم ـ تخرج من رماد الذاكرة السياسية لتشيلي امرأة لا تعيد الاعتبار إلى الليندي، فالليندي صار أسطورة شعبية.

ولكن تعيد الاعتبار إلى التوجه الاشتراكي الخارج من رحم المجتمع، من رحم الاحتياج، من رغبة الشعوب في أن تتصدى لكل معادلة التغييب، والارتزاق، والاغتيال، والمصادرة لصالح الرأسماليين، والانتفاعيين وبائعي الأوطان ومصالح البسطاء والفقراء والشعوب المغلوبة على أمرها!

في 11 سبتمبر اعتدي على الولايات المتحدة في عقر دارها، وهوجمت أكبر مراكز المال وتجمعات المصالح، وبنى الاقتصاد الرأسمالي في نيويورك، ليأخذ التاريخ بثأر الليندي مرة،.

ولتأخذه الآن التشيلية ميشيل باشليه مرشحة اليسار الاشتراكي، لتكون أول امرأة تحكم بلاد العسكر النائمة في خاصرة القارة الأميركية الجنوبية في جهتها الغربية، ومتغلبة على الملياردير اليميني سيباستيان بينيرا.

وكما غدر بينوشيه بصديقه دافعاً إياه إلى فعل الخلاص المشرف، انتقمت ميشيل باشليه ابنة صديق سلفادور الليندي لصديق والدها، وهي تعيد البلاد إلى خط الاشتراكية، كما كانت زمن الليندي، منتصرة بأصوات التشيليين العاديين، وعبر صناديق الاقتراع، تماماً كما راهن عليها الليندي ذات يوم من خمسينات القرن الماضي..

لتشكل بذلك رعباً آخر يضاف إلى رعب الولايات المتحدة من هذا الإزعاج الدائم الذي يتسبب فيه جيرانها الجنوبيون، وساكنو حديقتها الخلفية بدءاً بفنزويلا وبوليفيا وكوبا، وها هي تشيلي تسير على الدرب.. فيا لصداع ساكني البيت الأبيض!

sultan@dmi.gov.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات