السلطة الفلسطينية بين الديمقراطية والتسوية ـ د. محمد خالد الأزعر

السلطة الفلسطينية بين الديمقراطية والتسوية

خصص مركز البحوث السياسية بجامعة القاهرة مؤتمره السنوي التاسع عشر في الأسبوع الأخير من 2005 لمُدارسة «مشروع الشرق الأوسط الكبير ومستقبل المنطقة العربية» من جميع جوانبه وأبعاده، الظاهر منها والمستتر.

ويتجلى وعي المركز بالحجم والأهمية الاستثنائيين لهذه القضية من الجهد المضني الذي عاينه المشاركون والحضور على صعد الإعداد والترتيب وجدول الأعمال ومستوى النقاش وإدارة الحوار.

كانت محصلة هذا الاهتمام أن وفر المؤتمر مرجعية فقهية ونظرية بالغة الشمولية والعمق، قوامها خمسة وعشرون بحثاً ومئات المداخلات، بوسعها الإجابة عن أكثر التساؤلات الموصولة بهذا المشروع المحلق في الأفق العربي.

وقد أُوكِلَت إلى كاتب هذه السطور مهمة كتابة ورقة بحثية حول «مستقبل السلطة الفلسطينية بين التطور الديمقراطي والتسوية السياسية»، وذلك ضمن محور الصراع الإسرائيلي العربي وآفاقه في ضوء المشروع الشرق أوسطي.

بعد قراءة السوابق، تبين للورقة أن تنازع الأولويات بين قضيتي التحرر الوطني والتحول الديمقراطي برز في غير الحالة الفلسطينية ولكن بشكل عرضي ودون إلحاح. وفي معظم النماذج، بدت الديمقراطية مسألة قابلة للتأجيل لصالح الاحتشاد لمواجهة الاستعمار.

وفقهياً، لاحظت الورقة وجود ثلاث رؤى بخصوص هذا التنازع والجدل المتأتي عنه.. أولاها، ترى أن الديمقراطية لا تثار سوى في الأمم ذات السيادة المشمولة بالفعل في دولة، على اعتبار أن الديمقراطية أساساً نظام للحكم وأنه لا مسوغ لتحريها في محمية، كسلطة الحكم الذاتي في فلسطين.

وتعتقد الثانية بأنه يمكن العثور على الممارسة الديمقراطية وقياسها في صلب المجتمع ومؤسساته بغض النظر عن شرط الدولة. هذا على حين تأخذ الرؤية الثالثة بمنظور وسيط، هو إمكانية الأداء الديمقراطي بين يدي حركات التحرر الوطني قبل بلوغ مرحلة الاستقلال والدولة.

وأنه لا ينبغي التفريط بهذا الأداء بزعم الانغماس في الفعل النضالي، لأن الديمقراطية توسع فرص هذا الفعل أمام القوى الشعبية والسياسية، بما يؤدي إلى تقريب يوم التحرر.

عند إسقاط هذه التعميمات النظرية على الحالة الفلسطينية، أظهرت الورقة ميلاً لهذه الرؤية الأخيرة. مشيرة إلى أن الضغوط الاستعمارية أو الخارجية لم تكن سابقاً، وليست راهناً، مسؤولة عن كل سمات اللاديمقراطية، السلطوية، في نهر الحياة السياسية الفلسطينية، بمختلف مستوياتها، أي أنه لا حكمة في تحميل المدخلات الخارجية كل أوزار الحركة الوطنية.

ولاسيما فيما يتعلق بعمليات التجنيد للحركة والتمايز الأيديولوجي والتعاملات المالية والإدارية وشؤون صناعة القرارات بمعزل عن المواثيق والمؤسسات.

وقد دللت الورقة على أن نزوع بعض النخب الفلسطينية للديمقراطية السياسية هو أسبق زمناً بكثير من الدعوات الراهنة، التي يراد نسبتها إلى الطلب الخارجي وضغوطاته على هذا المضمار.

غير أن ما يميز المرحلة الحالية، تحول هذا النزوع الذاتي إلى مطلب داخلي نخبوي وجماهيري من ناحية، وتعامده أو تقاطعه من ناحية أخرى مع الأجندة الخارجية بخصوص مواصفات النظام المطلوب فلسطينياً. وكان من جراء هذا التقاطع، التأبط شراً من المحصلة النهائية لفكرة الإصلاح الديمقراطي.

بمعنى أن مداخلة القوى الخارجية، التي لا يصح وضعها في خانة التعاطف مع حركة التحرر الوطني، كالولايات المتحدة وإسرائيل، أدت إلي إفساد انسياب الدعوات الإصلاحية الداخلية والتشويش عليها.

لقد التبس الأمر على الكثيرين، بحيث ذهب البعض إلى رمي أصحاب هذه الدعوات بالانصياع للأجندة الخارجية التي تود تصعيد نخبة حكمٍ وإدارةٍ تخضع لإملاءاتها.. ومن ثم مصادرة الحقوق الوطنية تحت غطاء الديمقراطية.

في كل حال، حاولت ورقتنا توصيف الإشكالية التي ترتبت عن الضغوط الدولية.. فالسلطة الفلسطينية باتت مضغوطة بين أجندتين: واحدة للداخل الذي يسعى للإصلاح بهدف تقوية البيت وصولاً إلى تسوية عادلة تصون الحقوق.

والأخرى خارجية معاكسة.. وكلاً من الأجندتين يتخذ من شعارات الديمقراطية وسيلة لتحقيق غايته. والسلطة في موقف كهذا تبدو حائرة إلى أبعد الحدود. فهي إن مضت وفقاً للأجندة الداخلية صارت عرضة للاعتصار خارجياً وقد تُعاقب بالهجران والنبذ وقطع الموارد والعزلة، وهي إذا انصاعت للأهواء الخارجية، ربما أضحت في موقف شعبي سياسي ومدني ضعيف.

وقد يتآكل رصيدها الوطني إلى درك التخوين. وفي موسم انتخابات عامة فارقة قد تنحاز الخيارات الجماهيرية إلى ندها السياسي العتيد، حركة حماس.

ومما يلفت الانتباه، ولاحظته الورقة، أن الأداء الديمقراطي للنظم والشعوب الخاضعة للاستعمار لم يكن يوماً من شروط التحرر ونيل تقرير المصير.

ثم ان ضبابية مفهوم الديمقراطية ذاته تحول دون التوافق على معايير جامعة مانعة بشأن توفر هكذا شرط من عدمه.. إذ ما هي حدود الأسس والقواعد والممارسات السياسية التي يحق عندها وصف نظام معين بأنه ديمقراطي أو اتهامه بعكس ذلك ؟!.

لا تفسير إذاً لطرح هذا الشرط المُبتدع بالنسبة للحالة الفلسطينية، سوى أن القائلين به يستهدفون تصفيف النظام الفلسطيني وتقعيده وفقاً لمنظوراتهم شديدة الخصوصية. ومن آيات هذا التقدير أن إسرائيل وظهيرها الأميركي فاوضا القيادة الفلسطينية بزعامة الراحل ياسر عرفات دون أن يتوقفا عند نوعية أداء هذه القيادة لجهة الديمقراطية.

. وهما لم يتعمدا إلى وضع عصى الديمقراطية في الدولاب الفلسطيني، إلا بعد ما تبين لهم استعصاء عرفات وبعض الذين معه على التعاطي مع إملاءاتهم منذ كامب ديفيد الثانية.

ومع ذلك تعتقد الورقة أن التناظر حول الأداء الديمقراطي للسلطة الفلسطينية راح يؤتي بعد أكله. بحيث أدى إلى فتح ملفات طال الظن بنسيانها والإشاحة عنها في الفضاء السياسي الوطني. ومن المتوقع أن تقلب إسرائيل كل حجر لأجل إعاقة هذا المد الديمقراطي إذا ما آنست فيه تعزيزاً للمقاومة.

. ويستطرد هذا التوقع إلى طول الرحاب العربية وعرضها، لأن إسرائيل ومحازبيها الدوليين عاشوا زمناً رغداً على التعامل مع نظم سلطوية. وليس بوارد التخلى عن هذا التقليد.

والحال أن أحداً من أهل الحكم والسياسة في الرحاب العربية لا يملك الادعاء بأنه فوجئ بما يعتمل من أفكار وأطروحات بشأن مستقبل النظام العربي وما يخبئ له الشرق أوسطيون تحت عباءاتهم.

فمن تلاقح الأفكار بين صفوة الأكاديميين والمثقفين الذين التأموا في مؤتمر جامعة القاهرة، ونظائره على الصعيد العربي، بات لدى صناع القرار والمتنفذين رؤية تكفي للتبصر بما يراد لأمتهم وعالمهم من مصائر..

mohamedalazzar@hotmail.com

كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات