دماء على الجسر - خالد سيد احمد

دماء على الجسر

«كنت أسير على الجسر وكان مزدحما تماما، ثم فجأة دفعت من الخلف ووجدت نفسي أسير فوق آخرين وخرج الوضع عن نطاق السيطرة». هذه كلمات احد الحجاج الذين نجوا من حادث التدافع الذي وقع على جسر الجمرات يوم الخميس الماضي.

والذي أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى. هذا الحادث لم يكن الأول وبالتأكيد لن يكون الأخير، طالما كانت هناك حلقة أساسية لا تزال مفقودة،وهى نقص الوعي وقصور الثقافة الدينية لدى العديد من الحجاج الذين يؤدون هذه الفريضة الإسلامية.

والواقع ان ما يحدث على «الجسر» وهذه تجربة شخصية، وليست فقط مشاهدات تلفزيونية، يفوق ما يمكن ان يتصوره العقل، إذ ان الحجاج الذين يفترض ان يكونوا في حالة ايمانية فريدة ومليئة بالمشاعر الصافية الطاهرة، نجدهم يتدافعون .

ويتزاحمون من اجل الوصول إلى اقرب نقطة لرمي الجمرات، غير مكترثين لما يمكن ان يسببه تدافعهم من اخطار على الحجاج الآخرين، وبالتحديد كبار السن والنساء، الذين يمكن ان يلقي بهم حظهم العاثر تحت الاقدام، جراء الحماس الاندفاعي لبعض الحجاج غير المتقيدين باخلاقيات الحج.

ليس هذا فقط، بل ان بعض هؤلاء الحجاج الذين يدخلون الى الجسر لرمي الجمرات، يتخيلون أنفسهم في معركة حربية، يدخلونها ويريدون ان يخرجوا منها منتصرين، رغم ان المسألة كلها رمزية،وعبارة عن مناسك يمكن أداؤها على نحو أفضل بقليل من التأني والتروي، وكثير من الانضباط والحرص على أرواح الآخرين.

وهنا يطرح السؤال نفسه: من المسؤول عن تثقيف هؤلاء الحجيج بكيفية الأداء الصحيح للفريضة؟ بلا شك المسؤول الأول عن ذلك، هم علماء الأمة في كل دولة من الدول الإسلامية الذين عليهم ان يبذلوا جهدا اكبر في سبيل وضع القواعد والضوابط السليمة التي يجب على الحجاج التقيد بها.

وتعريفهم بالهدف الاسمى من هذه الفريضة ـ الحج ـ وهذا النسك ـ رمي الجمرات - بالتحديد، من اجل ان تمر الشعيرة على خير. يضاف إلى ذلك، انه في ضوء تزايد اعداد الحجاج، عاما بعد عام، فان هؤلاء العلماء عليهم مسؤولية، ان يستنبطوا من القرآن والسنة ما يمكن ان يسهل شعائر الحج.

حيث ان فتح باب الاجتهاد الواسع من جانب هؤلاء العلماء، من شأنه المساهمة في ايجاد حلول شرعية تناسب التطورات التي يشهدها هذا العصر.

وتقضي على الكثير من المشكلات التي تنجم عن القضايا الخلافية في هذه الفريضة، مثل هل يجب ان يرجم الحاج وقت الزوال ـ وهو غالبا بعد الظهر ـ خشية ان يحل المغرب فيضطر إلى المبيت في منى ليلة ثالثة، ام انه عليه ان يتبع فتاوى بعض العلماء والتي أجازت رمي الجمار في اي وقت من النهار؟

هذه مشكلة حقيقية، وقد عبرت عنها احدى المسلمات البريطانيات التي كانت تؤدي الحج هذا العام بقولها «هناك الكثير من التناقض فيما هو مسموح به في رمي الجمرات وعلى العلماء ان يوضحوا الأمر.. الكثيرون هنا يعتقدون انه ليس بمقدورهم الرمي إلا عند وقت الظهر».

ان عقول العلماء بالتأكيد قادرة على ان تصل إلى حلول مبتكرة وعصرية وفى الوقت نفسه، لا تنقصها الشرعية الدينية، من اجل وقف هذا النزيف السنوي، الذي يعكر صفو أداء الفريضة التي تشكل اكبر تظاهرة إسلامية في العالم. والذي يعطي كذلك صورة غير صحيحة عن المسلمين، الذين أصبحوا تحت المجهر منذ سنوات، وبالتحديد منذ احداث سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة.

اننا بحاجة لان يعرف الآخرون عنا الصورة الصحيحة، وعن ديننا جوهره الحقيقي، وهذا الأمر غاية في الأهمية، من اجل وقف المحاولات المستمرة من جانب البعض الذين يستغلون اى حدث ليمارسوا حرق وتشويه صورة المسلمين في كل بقعة من العالم الاسلامى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات