غياب شارون .. وتحولات السياسة الإسرائيلية ـ صلاح سالم

غياب شارون .. وتحولات السياسة الإسرائيلية

شهد النظام السياسي الإسرائيلي في العقود الستة المنقضية تحولات أساسية كان بعضها بمثابة إعادة هيكلة كاملة للقوى المهيمنة على السياسة الإسرائيلية ابتعادا عن هيمنة القوى العلمانية اليسارية التي قادها دوماً حزب العمل وذلك عبر ثلاث مراحل مختلفة:

المرحلة الأولى: تمتد لنحو ثلاثة عقود 1948 ـ 1977 كان فيها المسرح السياسي حكرا على حزب العمل وقياداته ذوى الأصول الأوروبية «الأشكيناز».

وقد مارس حزب العمل سيطرته ليس فقط من خلال الآلية التشريعية للكنيست بل أيضا من خلال السيطرة التي استحوذت عليها نقابات العمال والشركات والمؤسسات الحكومية .

والتي وفرت فرصا هائلة للدعم والمساندة، وربما كذلك من خلال نمط القيادات التاريخية والزعامات الكبيرة التي قادت الطموح الصهيوني إلى الدولة قبل تأسيسها، كما قادت عملية بنائها بإلهام إيديولوجية يسارية وعلمانية حديثة تحتذي النموذج الأوروبي للدولة القومية وذلك حتى منتصف السبعينات على الأقل.

وأما المرحلة الثانية: فتبدأ عام 1977عندما واجهت هيمنة حزب العمل تحديا هيكليا تمثل فى ظهور مجموعة من الأحزاب المحافظة التي اتحدت في تكتل «الليكود» الذي اكتسب جاذبيته من أمرين أساسيين، أولهما يتعلق بالدور التقليدي للمؤسسة الحزبية في النظام الديمقراطي التعددى.

وهو توفير بدائل عملية لسياسات حزب العمل التي كان الإسرائيليون قد اعتادوها لفترة طويلة، وبدأوا في التطلع لتجربة أخرى غيرها أكثر تحررا وخاصة على صعيد التنظيم الاقتصادى مع نمو طبقات جديدة داخل إسرائيل وتطلعها إلى نمط حياة جديد أكثر وفرة.

وأقل كفاحية من نمط «الكيبوتز» ذى الإلهام اليساري العسكري. وثانيهما نبع من اهتمامه الواضح بتوسيع المستوطنات اليهودية في الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967 لاستيعاب المهاجرين الجدد وخاصة من «السفارديم» أى اليهود الشرقيين بل وتمثيلهم في السياسة الإسرائيلية.

وهكذا نال الليكود إعجاب عدد من الناخبين اليهود الذين كانوا قد هاجروا من دول مثل المغرب واليمن والعراق، ونجح الليكود في كسر احتكار حزب العمل للسياسة في إسرائيل والاحتفاظ بالسلطة لسنوات طويلة سواء بصورة منفردة أو في إطار ائتلاف مع حزب العمل.

وأما المرحلة الثالثة : فكانت مع حدوث تغيير في القوانين الانتخابية اعتبارا من عام 1996 والتي أتاحت إمكانية الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء. ورغم ان هذا النظام كان يهدف أساسا إلى جعل رئيس الوزراء أقل اعتمادا على ائتلافات برلمانية غير مستقرة في الكنيست، إلا أن تأثيراته الجانبية تمثلت في زيادة عدد الأحزاب الصغيرة في انتخابات عام 1996 ثم 1999 .

حيث خسر كل من العمل والليكود مقاعد كثيرة في البرلمان لصالح أحزاب جديدة ذات توجهات عرقية ودينية ولا سيما حزب «إسرائيل بعاليا» والذي يمثل أساسا المهاجرين الروس، وحزب شاس الذي يشغل الآن الترتيب الثالث بالنسبة لعدد المقاعد في الكنيست.

وقد أدى صعود اليمين الديني، وتشابكه العميق والمميت مع اليمين السياسي إلى اندفاع إسرائيل نحو مزيد من التشدد وخاصة منذ اغتيال رابين، وبعد أن كان الخيار اليساري هو الوحيد على الساحة حتى حرب أكتوبر على الأقل، فقد أصبح اليمين السياسي/ الديني أشبه بالخيار الوحيد على الساحة نفسها في العقد الماضي.

وتحول حزب العمل إلى مجرد تابع ذليل صغير مرهون بالتوجه الليكودي، بل أن زعما ء الليكود الأقرب إلى يمين الوسط ومنهم شارون نفسه، بكل تاريخه الدموي، وجدوا أنفسهم محاصرين بمحيط من التطرف يرى في مجرد الانسحاب الأحادي من غزة، رغم حصارها الخانق، تهديدا لأمن إسرائيل.

وهو الأمر الذي أدى إلى انقسام الليكود على نفسه بين يمين الوسط من المؤيدين للانسحاب من غزة بقيادة شارون والذي كان قد شكل حزب «كاديما» لخوض الانتخابات القادمة، وبين اليمين المتطرف الذي رفض هذا الانسحاب، على هامشيته ومرحليته، وذرائعيته بقيادة نتانياهو.

وبينما كانت التنبؤات تشير بفوز شارون على رأس كاديما في الانتخابات القادمة، وقيادة إسرائيل في السنوات الأربع المقبلة باعتباره القيادة التاريخية ذات التاريخ العسكري الذي لا يبارى، والقادر على اتخاذ القرارات الكبرى وتحقيق الإجماع الإسرائيلي حولها، شاءت الأقدار شلله صحيا.

وأفول نجمه سياسيا بغض النظر عن احتمال رحيله أو بقائه على قيد الحياة، وهو التطور الذي لا شك يضعف حزبه «كاديما» ويحيله إلى حزب عادى يدخل منافسة شبه متكافئة «حال استمرار باقي أعضائه الحاليين» سواء مع الليكود بقيادة نتانياهو.

أو مع حزب العمل والذي يسعى للخروج من شرنقته، وإعادة صياغة نفسه ودوره في السياسة الإسرائيلية منذ انتخاب «عامير بيرتس» كحزب كبير يملك حزمة سياسات متكاملة تنهض كبديل لما يجرى في بحر اليمين الإسرائيلي المتشدد .

وعلى هذا النحو نجد أن ما يجرى من حراك سياسى الآن في إسرائيل لا يقل عن عملية إعادة هيكلة رابعة للنظام السياسي في إسرائيل لا تقل عن المراحل الثلاث السابقة، بما سينتج عنها من آثار سوف تجعل الصراع على قيادة إسرائيل يدور بين ثلاثة بدائل أساسية ترث الثنائية المألوفة.

وهى يمين الوسط ومن حوله اليمين المتطرف، واليسار التقليدي ما سوف يفرز آثارا مهمة في السياسة الخارجية الإسرائيلية، وبالأخص نحو التسوية السلمية مع الفلسطينيين.

كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات