قضية فلسطين من الوصاية الدولية إلى الوصاية الأميركية ـ ماجد كيالي

قضية فلسطين من الوصاية الدولية إلى الوصاية الأميركية

سرّبت الصحافة الإسرائيلية مؤخّراً تقريراً مفاده أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، ارييل شارون قبل مرضه كان، يمهّد لخطة سياسية كبيرة، بعد الانتخابات القادمة، تتعلّق بالتسوية مع الفلسطينيين، يمكن أن تتمخّض عن قيام إسرائيل بترسيم حدودها الشرقية، بالتشاور والتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية.

وبمعزل عن التوافق مع الفلسطينيين. واللافت أن تفاصيل هذه الخطة كانت ظهرت في مقالة نشرتها الصحيفة الأميركية «كومنتري»، وهي المرشد النظري لتيار «المحافظين الجدد»، ولإدارة بوش وللحزب الجمهوري (في عددها الصادر في شهر أكتوبر الماضي)، وأثارت اهتماماً كبيراً في الولايات المتحدة.

وبحسب التقرير فإن الاتفاق الإسرائيلي - الأميركي يشتمل أيضا على استكمال سريع للجدار الفاصل، وإخلاء تدريجي للمستوطنات، ومساعدة مالية سخية من واشنطن، للإنفاق على اقتلاع المستوطنين وتوطينهم مجددا داخل حدود الجدار، الذي سيصبح جدارا حدوديا حقيقيا.

بالمقابل ستسعى إسرائيل للحصول على توقيع أميركي برفض تام لحق العودة، وعلى سيادة في القدس القديمة كلها - في حين تنتقل جميع الأحياء العربية في القدس إلى سيادة السلطة الفلسطينية. وبالنظر لأهمية هذه الخطة فقد أطلق عليها المحلّلان الإسرائيليان بن كسبيت وأمنون دانكيز(كاتبا التقرير) اسم «الانفجار الكبير».

(معاريف 2/1/2006)يقول بن كسبيت ودانكينز: «شارون تحدث كثيرا عن دولة ذات كثرة يهودية، وأن الاحتلال سيء للجميع- فأي شيء يحقق هذا أكثر من هذه الفكرة؟.

.الجمهور الإسرائيلي، الذي تعلم دروس أوسلو يميل إلى النظر بشك كبير إلى كل اتفاق مع الفلسطينيين، فانه سينظر نظراً مخالفاً تماماً إلى انسحاب في إطار اتفاق موقع معلن واضح مع الأميركان».

وبرأي معدا التقرير فإن إسرائيل والولايات المتحدة ستبرران هذه الخطوة بالمعزوفة المعروفة المتعلقة بغياب شريك فلسطيني فاعل ومؤهّل للسير في المفاوضات مع إسرائيل.

وانعدام فرص نجاح المراحل الأخرى من خطة «خريطة الطريق»، و«أن الفلسطينيين لا يستطيعون إدارة أمورهم بأنفسهم». ولا شك هنا بأن الفوضى في الأراضي الفلسطينية، وضعف قدرة السلطة على الامساك بزمام الأوضاع سياسيا وميدانيا، تساهم في تقديم مصداقية لهذه الادعاءات.

وبالنسبة لإخراج هذه الخطة فإن إسرائيل تفضل أن تقدم وكأنها مفروضة عليها، وهي جنّدت لهذا الأمر هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركية الأسبق، الذي يملك تأثيرا ما في الدوائر العاملة في السياسة الخارجية الأميركية، وهو من مؤيدي هذه الخطة.

وهكذا فالمطلوب أن تقوم الإدارة الأميركية بتبني هذه الخطة، وأن تقوم تاليا بعرضها على دول الاتحاد الأوروبي، من أجل الحصول على تأييدها رسم الحدود.

وبحسب تصور كيسنجر فإنه يجب وضع هذه الطبخة على المائدة وهي متبلة يشتم فيها معاداة ما لإسرائيل. على أية حال فإن هذا التقرير يفضي إلى استنتاجين على غاية في الأهمية:

أولهما، أن إسرائيل وبمعزل عن ادعاءاتها ضد الفلسطينيين، مصرة على السير في الخطوات الأحادية، لفرض التسوية التي تتلاءم مع مصالحها وأولوياتها، بغض النظر عن حقوق الفلسطينيين ومصالحهم!

وكانت تقارير صحافية إسرائيلية سابقة كشفت عن قيام حكومة شارون بإعطاء الضوء الأخضر للجيش الإسرائيلي للشروع في تنفيذ خطة أعدتها لخلق واقع من الانفصال التدريجي في الضفة الغربية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين..وخلق فصل تام بين منظومتي الحياة للإسرائيليين والفلسطينيين في المناطق (الضفة) وذلك حتى العام 2008».

(معاريف 19/10/2005) كذلك فقد تضمّن مشروع برنامج حزب «كديما»، الذي أسّسه رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون، التزام الحزب بتحديد «الحدود الدائمة لإسرائيل وبالتنازل عن جزء من أرض إسرائيل» لضمان «وجود دولة إسرائيل كوطن قومي يهودي».

وتحدث البرنامج صراحة عن قبول إقامة دولة فلسطينية، إذ «أن إنهاء النزاع سيكون بوجود دولتين قوميتين على أساس الواقع الديمغرافي». بالمقابل شدد البرنامج على احتفاظ إسرائيل «بالمناطق الأمنية، والقدس موحدة، وبأماكن ذات أهمية قومية وتاريخية وبالكتل الاستيطانية الكبرى..

ورفض أية عودة للاجئين إلى أراضي إسرائيل». (معاريف 26/12/2005) وكانت جرت تسريبات صحفية إسرائيلية بشأن استعداد شارون لإقامة دولة فلسطينية على 90 في المائة من أراضى الضفة، وأنه سيكون مستعدا للمساومة حتى على أجزاء في القدس مقابل السلام. (معاريف14/12/2005) .

أما ثاني الاستنتاجات، فتتمثل في أن إسرائيل تحاول استدراج الولايات المتحدة، التي باتت ترى في نفسها «قوة عظمى تقرر في الشرق الأوسط»، لاعتبار ذاتها بمثابة «الشريك الطبيعي في القضية»..وأن تتصرف بمثابة «وكيل عن الفلسطينيين». (بحسب التقرير المذكور).

وفي واقع الأمر فإن إسرائيل في هذا الأمر لا تتصرف عن عبث. فالمعطيات السياسية السائدة، دوليا وإقليميا، ترجًح هذا الخيار «الوصائي».

في هذا الإطار يمكن اعتبار اللجنة الرباعية، التي تضم وزراء خارجية كل من: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وروسيا وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، بمثابة «هيئة وصاية دولية» على القضية الفلسطينية؛ خصوصا .

وأن هذه اللجنة صاغت خطة عمل شبه تفصيلية للتحرك مع الطرفين المعنيين: الفلسطينيين والإسرائيليين، على مختلف المسارات: الأمنية والاقتصادية والسياسية، ثم أنها شكّلت فرق عمل متخصصة لمتابعة التحرك على الأرض. ولكن الجديد في الأمر تخويل الولايات المتحدة صراحة صلاحية التصرف بمسار القضية الفلسطينية.

عموماً فإن القناعة بضرورة فرض حلول خارجية لقضايا الصراع الأساسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين كانت قد تولدت بعد مخاض طويل، متدرج ومعقد، وبدفع من عوامل عدة أهمها:

أولا، وطأة الصراع بين هذين الطرفين وأبعاده السلبية على الاستقرار والأمن في المنطقة وعلى العلاقات الدولية؛ ثانيا، التجربة التفاوضية غير المجدية التي بيّنت استحالة توصل الطرفين المعنيين، لوحدهما، إلى حلول لقضايا الصراع بينهما، بسبب ثقل هذه القضايا من النواحي السياسية والرمزية والعملية بالنسبة لكليهما؛ ثالثا، ضرورة المبادرة للتدّخل الدولي.

وفرض حلول وسط على الإسرائيليين والفلسطينيين بغرض تجنيب القيادات المعنية، لدى الطرفين، الإحراج الناجم عن مثل هذه التسوية، أمام شعبيهما.

وفي الحقيقة فإنه منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد 2 وطابا، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، برعاية أميركية مباشرة، والتي امتدت على مدار أشهر عديدة في أواخر العام 2001 وأوائل العام 2002، ازدادت الأصوات التي تطالب بسحب البساط من تحت أرجل قيادتي الطرفين، من خلال فرض وصاية خارجية على القضية الفلسطينية .

ووضع الأراضي المحتلة تحت إدارة دولية، لفترة مرحلية، وإرسال قوات متعددة الجنسيات بقيادة أميركية لفرض الهدوء في هذه الأراضي والتوجه، أخيرا، نحو فرض حلول معينة لقضايا الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وقد مهد لهذا الطريق العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية البارزة من مثل الصحفي الأميركي توماس فريدمان والسفير الأميركي في إسرائيل(سابقا) مارتن أنديك ووزير الخارجية الإسرائيلية (سابقا) شلومو بن عامي وزعيم حزب ميريتس يوسي ساريد، وانضم لهم، مؤخرا، العديد من السياسيين الأوروبيين والأميركيين.

وكان هؤلاء قد انطلقوا في دعواهم من فرضية أساسية مفادها عجز أو عدم قدرة زعامتي الطرفين على قيادة شعبيهما نحو حل نهائي وتاريخي.

عموما فإن القضية الفلسطينية تتعرض في هذه المرحلة لتحولات على غاية في الخطورة، والمعضلة أن الفلسطينيين مشغولون بمشكلاتهم وخلافاتهم وتنافساتهم الداخلية، وبمصالحهم الضيقة، أكثر بكثير من انشغالهم بالمآل الذي يحيق بهم!

كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات