هذه المعاناة من يرفعها؟

هذه المعاناة من يرفعها؟

قبل مدة قطعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إعانتها الشهرية عن عدد كبير من النساء المواطنات، ليس لأن الوزارة قد اكتشفت فجأة أن هؤلاء المواطنات قد أخفين عنها حقيقة أنهن يتملكن عقارات تدر عليهن دخلاً كبيراً، أو أنه ورد لعلم الوزارة أن هؤلاء النسوة ورثن مؤخراً أموالاً طائلة من أقرباء لهن توفوا، وبالتالي لم يعدن في حاجة لتلك الإعانة، أو أنهن قد ارتكبن جرما يستحققن العقاب جراءه، إنما كان السبب وراء موقف الوزارة ذاك أن هؤلاء المواطنات الفقيرات اللواتي كن يتلقين الإعانة الاجتماعية متزوجات من رجال من غير بلدهن، أي غير مواطنين.

ولأن الموضوع يتعلق بالإعانة الاجتماعية، والتي هي في الحقيقة لا تشكل مبالغ كبيرة وإنما مبالغ زهيدة تعين المحتاجين على مواجهة ظروف الحياة، والتي لم تعد رحيمة بالفقراء في بلدنا، فقد نتج عن موقف الوزارة هذا تداعيات كبيرة أثرت سلبا على حياة هؤلاء البشر وزادت من معاناتهم اليومية وقسوة ظروفهم؛ مثلما دمغت حياتهم بالشعور الكبير بالمرارة.

فعلى سبيل المثال هناك نساء من بين النسوة اللواتي قطعت عنهن الإعانة من يعاني أطفالهن من مرض الثلاسيميا، وهذه المعاناة كانت تتطلب منهن دفع مبالغ لتوفير العلاج لأبنائهن، كونهم يعاملون في مراكز العلاج الحكومية معاملة الوافدين، وقطع تلك الإعانة عنهن قد تسبب في عجز أولئك الأمهات عن توفير العلاج لأبنائهن، وبالتالي تعرض أولئك الأبناء لمضاعفات المرض، والتي تصل أحيانا حد الوفاة.

نساء أخريات أدى بهن هذا الموقف إلى العجز عن توفير الإمكانات اللازمة للإسهام في تعليم أبنائهن، في الوقت الذي نسعى فيه، ليس فقط إلى القضاء على الأمية، وإنما نسعى إلى إيصال مجتمعنا إلى مصاف المجتمعات التي يتوفر فيها المناخ اللازم للإبداع في العلوم والمعارف الإنسانية.

نساء أخريات أدى بهن هذا الإجراء إلى العجز عن توفير الغذاء اليومي لعائلاتهن، وامرأة من بينهن من عجزت حتى عن زيارة زوجها الذي يرقد في المستشفى لفترة طويلة لأنها لا تجد ثمن أجرة السيارة التي سوف تقلها لزيارته بعد أن قطعت عنها الإعانة.

وقصص أخرى كثيرة تجعلنا مواجهين بالكثير من الأسئلة حول سياساتنا المجتمعية وسعينا لتوفير الحياة الكريمة لشعبنا.

بطبيعة الحال موقف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لا يجب النظر إليه على أنه موقف شخصي من الوزير، والذي زارته أعداد كبيرة من أولئك النسوة اللواتي تعرضن لقطع الإعانة عنهن واعتذر لهن بأن إمكانيات الوزارة المادية لا تسمح لهم بمواصلة صرف تلك الإعانة، إنما موقف الوزير يأتي من أن الدولة لم تساند حتى الآن حق هؤلاء النسوة في الحصول على امتيازات المواطنة كاملة.

وبالتالي فليست وزارة العمل هي المسؤولة عن حرمان أولئك النسوة من حقهن في الحياة الكريمة، وإنما يجب النظر للمسألة على أنها موقف مجتمعي يحتاج منا أن ندرسه ونتأمل في أبعاده كلها، بما في ذلك تداعيات هذا المسألة على الصورة التي نحاول رسمها لأنفسنا وللخارج على أننا مجتمع يوفر ليس فقط لأبنائه، بل حتى الوافدين إليه، سبل العيش الكريم.

إن لدولة الإمارات الكثير من المواقف الإنسانية الطيبة تجاه الكثير من الشعوب، وبخاصة تلك التي تعرضت وتتعرض للمعاناة من جراء الحروب أو الكوارث الطبيعية. فالمساعدات والمساندة في مثل تلك الظروف كانت دائما واضحة وخيرة، وفي الكثير من الأحيان كبيرة، بحيث تجعلنا، نحن أبناء هذا البلد، نشعر بالفخر والاعتزاز بأننا ننتمي لمجتمع يرى نفسه جزءاً من الإنسانية جمعاء، ويرى أيضا أن من الواجب عليه أن يقف لمساندة أخوته في الإنسانية في كل الظروف القاسية التي يمرون بها.

ولهذه المساعدات أشكال عديدة، منها المساعدة المادية والمساعدة في بناء المناطق التي تأوي المشردين أو ذوي الحاجة، والمساعدة في توفير المستشفيات ومراكز العلاج، وكذلك مشروع رفع الألغام من الحدود اللبنانية المتاخمة لدولة إسرائيل. أيضاً في الكثير من الأحيان تسهم الدولة وأحيانا أفراد فيها بعلاج الكثير من الأشخاص، وبخاصة الأطفال الذين يعجز ذووهم عن توفير المبالغ اللازمة لعلاجهم، أو لا تتوفر لهم في بلدانهم إمكانية المعالجة، فهل يعقل أننا نعجز عن علاج أبنائنا أو أن نوفر لهم الحياة الكريمة، وهم الأقربون الأولى بالمعروف؟

ترى ما يكون شعور الأم المواطنة التي ترانا نسرع للوقوف بجانب آخرين بعيدين عنا لرفع معاناتهم ونتجاوزها في الطريق، غير ملتفتين لمعاناتها أو لشعور الضيم الذي تشعر به وهي ترى بلدها تسرع لرفع المعاناة عن طفل غريب وتتجاهل أبناءها. من هنا نرى أن التقصير في الاهتمام بمن هم منا أو حولنا ليس له ما يبرره.

لعلنا ندرك أن زواج المرأة المواطنة من شخص غريب أمر يحتاج إلى تنظيم من جانب الهيئات التشريعية في المجتمع، كون الرجل الذي تزوجته تلك المرأة يحمل جنسية بلد آخر، لكن لهذا الأمر تداعيات عديدة وأبعاد كثيرة في حياتنا علينا النظر فيها ودراستها وتنظيمها بما يضمن لبناتنا حق الحياة الكريمة والمعاملة الإنسانية، وبخاصة وأن هذه الفتاة التي تتزوج من شخص غريب على مجتمعها هي أولا وأخيرا ابنة هذا البلد، ومن حقها عليه أن تتمتع بكل المزايا التي تمنح لأبنائه.

ثم أن عدم التعامل بالمساواة فيما يتعلق بموقف الدولة من زواج الرجل من امرأة وافدة يجعلنا نشعر بازدواجية المواقف والتمييز بين المرأة والرجل فيما يتعلق بالحقوق والواجبات. وهو أمر لا نتمنى أن نتمسك به أو نبقيه، ليس فقط من منطلق أنه موقف غير إنساني ولا يرضاه أيضا ديننا الحنيف، وإنما هو موقف قد تستغله ضدنا منظمات دولية عديدة وتستعمله ذريعة للتدخل في شؤوننا الخاصة وحقنا في تنظيم مجتمعنا بما يتوافق مع رؤيتنا في الحياة.

إن المصطفى عليه الصلاة السلام قد أوصانا بأن نزوج بناتنا لمن نرضى دينه وخلقه، ولم يشر إلى الأعراق، وفي هذا معنى يجب أن نحافظ عليه. لكننا أيضا في نفس الوقت مدركين بأن معظم المجتمعات لها مواقف شبيهة بموقفنا فيما يتعلق بزواج أبنائها من الغرباء، وإن تفاوتت أشكال المواقف. ففي الدول التي نصنفها بالمتقدمة يحفظ للمواطنة المتزوجة من أجنبي كافة حقوقها، مثلما يمنح أبناءها كافة حقوق المواطنة حتى لا يتعرضوا للتمييز أو الاضطهاد، فهل نكون نحن أقل منهم ونحن ننتمي لواحدة من أفضل الحضارات التي احترمت الإنسان؟

إننا اليوم على أبواب تشكيل حكومة جديدة لهذه البلد، حكومة نتمنى لها كل التوفيق في مهامها القادمة الكبيرة والصغيرة منها، ونتمنى لها أيضا أن تضع في اعتباراتها القضايا والمعاناة التي يعيشها بعض أفراد مجتمعنا، خاصة وأننا مدركون أن القيادات تضع من بين أهم أولوياتها توفير الحياة الكريمة للناس في هذا البلد، فعسى أن توفق الدولة إلى ذلك.

جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات