الاختطاف في اليمن المبتدى والمنتهى

الاختطاف في اليمن المبتدى والمنتهى

عرف اليمن في تاريخه القديم والوسيط وحتى الإمامي نظام الرهائن. وهو أن تأخذ الدولة من القبيلة أو المنطقة التي تخضعها شبابا من أبناء المشايخ والشخصيات النافذة للدولة مقابل ضمان ولاء المنطقة أو القبيلة وعدم تمردها عليها.

بعد الوحدة انقلب الحال 180 درجة، وفي حمى الصراع بين طرفي الحكم «المؤتمر والاشتراكي» شجع الطرفان انتشار السلاح، وانفرد المؤتمر الشعبي العام بتشجيع الاختطاف والاغتيال.

كانت صحافة المؤتمر تتكلم عن الاختطاف وكأنه كرم ضيافة. وتعاملت الدولة باستهانة شديدة مع التمردات القبلية والاغتيالات والاختطاف لأنه يطال الخصم السياسي. بل إن الدولة قد نافست القبيلة في اختطاف العديد من الأدباء والمفكرين والصحافيين والكتاب، واعتدت على العديد منهم بالضرب والتهديد والوعيد خصوصا بعد حرب صيف 94م.

وفي الحرب ضد الحزب الاشتراكي ظهرت القبائل والسلفيين كحلفاء وطرف أساسي في حرب «الردة والانفصال» حسب التسمية السائدة حينها. والتسمية تحمل دلالة ومغزى طبيعة التحالف. وكانت بداية التمردات على يد التيارات الجهادية: أبو عبد الرحمن الجزائري في الضالع 94 وأبو الحسن المحضار في أبين عام 98م وما تبعهما من تمردات في أكثر من منطقة. وواجهت الدولة هذه التمردات وما رافقها من اختطاف للسواح بالقوة العسكرية والأمنية. وظل أسلوب الاختطاف والتمردات القبلية قائماً ويتكرر دوريا.

وانتقل إلى مناطق مختلفة، وبالأخص ذات التركيبة القبلية المغلقة.فرضت كارثة الـ 11 سبتمبر في نيويورك على اليمن «بما حملته من مخاطر» سرعة الخلاص من تحالفاتها مع هذا التيار التكفيري والخطر. ولكن عناصره ظلت تعمل في ظله ولم تقطع الحبل السري مع الوضع. أما القبائل فقد صعدت من مطالبها كقوة حقيقية متطاولة على هيبة الدولة وشرعيتها وقامت بعشرات التمردات. ووقفت الدولة ولا تزال على الحياد إزاء الثارات والحروب القبلية.

كما وصلت أعمال الاختطاف إلى المدن الرئيسية خصوصا في الشمال: صنعاء. تعز. الحديدة. واعتمدت الدولة أسلوب التفاوض والنزول على العرف القبلي في حل قضايا الاختطاف والتمردات. وكانت الرشى والتنازلات هي الوسيلة المثلى في التعامل مع الظاهرة. بعد صدور قانون يعاقب بالإعدام المختطفين تراجع الاختطاف وأظهرت الدولة نوعا من الحزم إزاء هذه الممارسات الإجرامية. ولكنها عادت الآن فما هو السر وراء هذه العودة الفاجعة؟!

يمكن ربط ظاهرة الاختطاف بالثارات القبلية. ويمكن تفسيرها بالجهل. ويمكن إعادتها إلى مطالب معينة. ولكن الأهم من كل ذلك غياب هيبة الدولة. والدولة المدنية تحديدا: دولة النظام والقانون والمؤسسات. ان غياب العدالة، وانتشار الفساد الفاشي في جسد الدولة من أعلى إلى أسفل والعكس، ومنافسة الدولة القبلية على الاختطاف هي جوهر المشكلة. ومعروف ان الكثير من هذه المناطق قد حرمت كليا من الخدمات ولم ترتبط بجسد الدولة المركزية ولم يحدث الاندماج الوطني.

وظلت الأمية المدججة بالسلاح والولاء لشيخ القبيلة اكبر من الولاء للدولة ولم تعر الدولة أي اهتمام بهذه المناطق المعزولة والمحرومة من المياه والكهرباء والطرقات والمدارس والمستوصفات، وحتى أقسام الشرطة. فالشيخ هو الحاكم المطلق، وهو واسطة العقد بين الدولة والمواطنين.

المفارقة الرابعة في أن الثروة البترولية في هذه المناطق أو قريبة منها، ورغم ذلك تعيش هذه المناطق حالة حرمان كلي، فلا زراعة حديثة، ولا طرق معبدة، ولامياه شرب،ولا عدالة في حالات الثأر والاحتراب شبه المستمر.

لقد كانت المعالجات بالمساومات والرشى خاطئة. ولكن الميل حاليا للمعالجة بالسلاح هو الأكثر خطورة وضررا وحرب صعدة المستدامة خير مثال. فالبنية القبلية في اليمن شديدة التعقيد والصلابة، ومحاولة قمعها بالقهر وقوة السلاح هو المستحيل عينه، وتجربة الحزب الاشتراكي في الجنوب مائلة للعيان.

إن بناء دولة العصر الحديث والخلاص من التحالفات والروابط القبلية والعشائرية، وربط هذه المناطق بجسم الدولة ومد الخدمات إليها، وإدماج أبنائها في المجتمع وحظر حمل السلاح والاتجار به هي العلاج الناجح.

كاتب يمني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات