أزمة البرلمانات العربية

أزمة البرلمانات العربية

يبدو أن عامنا الحالي فرض عليه أن يحمل أوزار وتوابع الزلازل السياسية لعامنا الراحل، التي هزت الكثير من الثوابت وزعزعت سلطات ظنت أنها بلغت قدرا من الرسوخ، يستعصى معه خلخلتها، أو زحزحتها من مواقعها التي شاخت فيها، بلغة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، ولا يقتصر الأمر هنا على تجاذبات السياسة المحلية في كل قطر عربي، بل يمتد إلى كل ارتباطات العرب إقليمياً ودولياً.

يتصدر المشهد الضبابي لعامنا الحالي، انبلاج فجره على ضجة وزلزلة الحوار العاصف الذي انفردت به فضائية العربية مع النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام، والذي فرض على باقي الفضائيات العالمية قبل العربية أجندة متابعة «الخبطة الصحافية»، وجعل كل الدوائر السياسية تلهث خلف قراءة ما بين سطور الحوار، لدرجة أن مجلس الشعب السوري عقد جلسة عاجلة ، تحولت إلى حفلة هجاء و«مسك سيرة» وتقطيع في اللحم الحي لخدام الذي أصبح هدفاً سهلاً، تكال إليه الاتهامات بالخيانة والفساد من كل النواب.

أقول هذا من باب الحرص على مصداقية مجالسنا النيابية، وتنزيها لها ان تتحول إلى منابر للهجاء أو المديح، فلو أن نواب المجالس البرلمانية العربية قاموا بواجبهم، وأدوا أمانة تمثيل الأمة والرقابة على الحكومة، لاستقامت الأوضاع ، وسدت الثغرات التي يتسلل منها الفاسدون إلى مواقع صنع القرار، لأن النقد بعد فوات الأوان مضيعة للوقت، وإهدار لثروات الشعب، و«ضحك على الذقون» وإبراء للذمم الخربة، واصطناع للشجاعة في غير من يفتقدون لأبسط مكوناتها، وهى قول الحق في وجه السلطان الجائر.

هذا الكلام بطبيعة الحال ليس دفاعا عن خدام، فالرجل اختار مصيره ووضع نهايته بيده ، وليس بمقدور احد إنكار انه خرج من عباءة الحزب والدولة، وجلس على أعلى كراسي اتخاذ القرار، قبل أن يفارقه بريق السلطة، ويسكنه هاجس خسارة كل شيء، وهكذا هي تصاريف أقدار السياسة، ولعن «فعل ساس ويسوس وسياسة» كما كان يقول الأستاذ الإمام محمد عبده.

ولكن حديثنا يجيء من باب الحرص على تنقية مؤسساتنا العربية من أمراض الفساد المزمنة التي ينتعش في ظلها وضع التخلف، ويسهل على العدو السيطرة على مقاليدها، حتى لو كانت نوايا هؤلاء حسنة، وحناجرهم تجلجل بشعارات وهتافات ثورية، لان مصير الأوطان يحدده العمل على أرض الواقع وليس الهتاف الخادع المدغدغ للمشاعر، وان لم نقرأ تجاربنا القريبة بطريقة صحيحة الآن ، فالى متى يمكن للتاريخ أن يمهلنا أو ينتظرنا!

على سبيل المفارقة الصارخة، اذكر كيف وقفت النائبة المطربة المصرية فايدة كامل زوجة وزير الداخلية النبوي إسماعيل تغني تحت قبة مجلس الشعب لمبادرة الرئيس الراحل أنور السادات ومعاهدة كامب ديفيد للصلح مع إسرائيل، والهتاف بموت المعارضين «الخونة» في نظرها «الضعيف جداً» في وقت كانت النائبة الإسرائيلية جيؤولا كوهين تمزق أوراق المعاهدة في الكنيست دون أن تتعرض لأي اتهام لها بأنها «خائنة»، وهكذا تنجح إسرائيل ونتجرع نحن الخيبة وراء الأخرى!

الأمر الأهم في قراءة مشهد ضبابية العام الجديد، إننا جميعا، إلا القليل النادر، أصبحنا أسرى مربع رد الفعل على ما يقرره الآخرون، أو ما يطرحونه من أفكار ومبادرات، وغابت أجندة العمل الوطنية والقومية، بدءاً من مجريات الصراع مع إسرائيل وانتهاء بتوفير رغيف الخبز لرجل الشارع، أو ترتيب الأخبار في نشراتنا الإذاعية والتليفزيونية، ولا يخفى على المتابع أو المشاهد الذكي ان هناك وجهاً أجنبياً خفياً وراء وضع تلك الأجندات، وصياغة الأبجديات المفروضة علينا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات