القفز من المركب قبل الغرق

القفز من المركب قبل الغرق

لم تمر الساعات الثماني والأربعون الأخيرة، من عام 2005، دون مفاجأة كبيرة، فقد شدت الشاشات التلفزيونية، مشاهدي الفضائية العربية، وهي تنقل لقاءً خاصاً، يدلي به السيد عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري السابق، وأحد أبرز رموز النظام الحاكم في سوريا، بتصريحات خطيرة، من مقر إقامته المؤقت في باريس، مديناً فيها النظام السوري ومتهماً إياه، بالضلوع في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، السيد رفيق الحريري.

ويعتبر انشقاق عبد الحليم خدام، الحدث الأكثر أهمية، في تأثيره السياسي، على الواقع السوري، منذ عقود، خاصة في ظل الظروف الدولية الحالية، حيث تتزايد الضغوطات الدولية على سوريا. فانشقاق خدام وتصريحاته الخطيرة، عون ما بعده عون، وهدية ثمينة، لقاضي التحقيق البلجيكي، الذي يتولى مهمة التحقيق، خلفاً لديتليف ميليس، في جريمة الاغتيال المشار إليها.

إذ لم يتسنَ لمنشق أو معارض، في السابق، حتى بحجم صلاح البيطار، أو أمين الحافظ، أن يعرض أمن النظام السياسي القائم في سوريا، إلى الخطر، كما فعل خدام، وذلك لسببين، أولهما الموقع المتقدم الذي شغله في القيادة السورية، على أمد طويل، وثانيهما توقيت هذا الانشقاق، وما صحبه من تصريحات، حول أكثر القضايا الخطرة، التي تواجهها سوريا، أمام الرأي العام العالمي.

كانت ردود الفعل، في دمشق، استثنائية في تخبطها، فقد استجاب مجلس الشعب السوري، فوراً لهذه التصريحات، فعقد اجتماعاً علنياً، أذيعت تفاصيله، على الهواء مباشرة، تناول فيه جميع المتحدثين، تخوين خدام، واتهامه بمختلف التهم الخطيرة، التي تتعلق بالفساد، واستغلال مركزه، والإثراء هو وعائلته، وإساءة استخدام المال العام. وتجاوز ذلك إلى اتهامه بالتسبب، بزيادة نسبة الإصابة بالسرطان، في سوريا، بسبب استيراد النفايات النووية، ودفنها في البادية السورية، لقاء مبلغ من المال. وكأن هذه الاتهامات، ما كان لها أن توجه إلى خدام، قبل الإدلاء بتصريحاته.

لم يقدم خدام، في الحقيقة، دليلاً مادياً، يدين سوريا باغتيال الحريري، إذ لا أحد يستطيع تقديم دليل كهذا، إلا أنه رسم صورة المسرح، الذي تعاملت فيه النخبة الحاكمة في سوريا، مع الواقع اللبناني، ومع شخوصه البارزين، وتطرق إلى الطريقة التي تدار بها المؤسسات في سوريا، وإلى انفراد الرئيس السوري باتخاذ القرارات، متهماً إياه، بردود فعل آنية غير ناضجة، سببت الكثير من الخسائر والإحراجات لسوريا.

والصورة التي رسمها خدام، لواقع العلاقات السورية اللبنانية، لا تترك للمراقب، إلا استنتاجاً واحداً، وهو مسؤولية سوريا، عن اغتيال الحريري. وشهادة كهذه، عندما تذكر أمام قضاة التحقيق، وتوثق في الإطار القانوني، ويتم ربطها بالشهادات الأخرى، ستكتسب قوة الدليل المادي، خاصة عندما تصدر عن شخص مثل عبد الحليم خدام. أحد كبار المخططين، للسياسة السورية، لسنين طويلة، والمسؤول عن الملف اللبناني، أيام الرئيس السابق حافظ الأسد.

هنالك حالة مماثلة، من بعض الوجوه، حصلت في منتصف تسعينات، القرن المنصرم، حين حَزَمَ حسين كامل حقائبه، مصطحباً معه، شقيقه صدام كامل وزوجتيهما، ابنتا الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وأولادهما، ليعبروا الحدود العراقية الأردنية. حيث بادر، إلى عقد مؤتمر صحافي، أعلن فيه إنشقاقه عن النظام العراقي، و كشف بعد ذلك، لفريق التفتيش عن أسلحة التدمير الشامل، أسراراً عسكرية مهمة، ومواقع بعض الوثائق، ساعدت الفريق، على تدمير البنية التحتية، لمشاريع التسلح العراقي.

كان حسين كامل، من أبرز الشخصيات الفاعلة، في الساحة العراقية، بعد الرئيس العراقي، لفترة طويلة، فقد كان مسؤولاً عن أخطر الملفات، ألا وهو ملف التصنيع العسكري، إضافة إلى قربه العائلي من الرئيس نفسه. ولكونه بهذه الدرجة من القرب، إلى مركز صناعة القرارات، ولاطلاعه الواسع، على واقع الأحوال في العراق، واحتمالات مساراتها، خاصة بعد التدمير الذي لحق بالبلد من جراء غزو الكويت، وفرض الحصار الطويل عليه، استنتج مسترشداً بالحس الأمني المتميز، الذي يتمتع به، من كان مقرباً، من النخبة الحاكمة في العراق، أن المركب على وشك الغرق، فلينقذ نفسه و عائلته، وليغرق الجميع.

أعلن حسين كامل، معارضته لنظام صدام حسين، وصور نفسه، حملاً بريئاً، هرب من مخالب الذئاب، وبدأ يعزف على وتر حساس، وهو قدرته على قيادة المعارضة العراقية، والانتصار على النظام القائم في بغداد. إلا أنه فشل في تسويق نفسه، كأحد زعماء المعارضة، إذ لم تمتد يد واحدة لمصافحته، فشخص مثله، لا يمكن الوثوق به من جهة، ولا يمكن الصفح عن ماضيه، لمجرد انه غادر المركب، قبل أن يغرق، من جهة أخرى.

ولا يسعنا، إلا أن نذكر الشبه، في آلية العمل، بين فريق التفتيش، عن أسلحة التدمير الشامل العراقية، وبين لجنة التحقيق الدولية، الخاصة باغتيال الحريري. فريق التفتيش، يصر على تفتيش القصور الرئاسية في العراق، ويفتش مخدع الرئيس نفسه، وفريق التحقيق الدولي، يطلب مقابلة الرئيس السوري، ووزير خارجيته.

ومنذ اللحظات الأولى، التي أعقبت انتهاء اللقاء مع خدام، انبرت بعض وسائل الإعلام، بالترحيب بهذه التصريحات، وقامت بكيل المديح للسيد خدام، في حين انبرت أخرى، تندد وتدين وتكشف ما كان مستوراً، من تاريخ هذا الرجل.

ولكن ما الذي دفع خدام، نحو هذه الخطوة الخطيرة، وهو أدرى من غيره، بقوة أجهزة المخابرات السورية، التي طالت، في السابق، رموزاً مهمة، في تاريخ سوريا، وعلى رأسهم صلاح البيطار، الذي اغتيل في باريس، عام 1980.

هنالك بعض الأسباب، التي قد تكمن، وراء الخطوة، التي اتخذها خدام:

1- رد الفعل لخسارته للنفوذ، والامتيازات التي تمتع بها، في الدولة وفي الحزب، فقد اضطر لتقديم استقالته من المناصب التي شغلها، في شهر يوليو من العام الماضي. ومن المعروف أن اسم عبد الحليم خدام، قد ارتبط بحزب البعث، قبل صعود هذا الحزب، إلى سدة الحكم، في الثامن من مارس عام 1963.

2- إحساسه بالخطر على حياته، إثر انتحار اللواء غازي كنعان !!!، أحد أعضاء الترويكا السورية، التي كانت مسؤولة عن الملف اللبناني، إلى جانب رئيس أركان الجيش السابق حكمت الشهابي، وخدام نفسه، مسؤول الملف. فقد تسربت بعض المعلومات، عن تنسيق جرى بين الشهابي وخدام، تم خلال لقائهما في باريس، مطلع شهر سبتمبر، من العام المنصرم.

3- السعي للبقاء بعيداً عن المسائلات، في حالة تداعي الأوضاع الداخلية في سوريا.

4- الرضوخ لضغوطات ساسة لبنانيين تربطهم به علاقات مصالح.

5- حسابات سياسي مخضرم، يرى بأن المركب الذي يستقله، على وشك الغرق، وإنه على أية حال، ليس الربان، الذي تحتم التقاليد البحرية، أن يكون، آخر من يتركه، حتى لو تطلب ذلك، أن يغرق معه.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات