بوش وتوقعاته العراقية

بوش وتوقعاته العراقية

يبشرنا الرئيس بوش، في خطابه الأخير، باستمرار القتال بدرجة أعنف في العراق طوال العام الحالي. ويبدو من لهجة توقعاته أن 2006 قابلة للترحيل، عراقياً، إلى ما بعدها؛ ومن دون سقف، في المدى المنظور.

وبذلك تكون الرسالة واضحة إلى العراق والمنطقة؛ ومفادها أن عليها الانتظار طويلاً قبل أن تنعم بالانفراج؛ إذا بقي منه شيء لها. كما أنه يفيد بأن ما تردد عن انسحابات أميركية هذه السنة بين 40 إلى 50 ألف جندي؛ كان في أحسن أحواله شائعة؛ إذا لم يكن قد تم تسريبه والترويج له عمداً لتنفيس الاعتراضات المتزايدة في الكونغرس ووسائل الإعلام؛ ناهيك عن صفوف الرأي العام الأميركي، على مجرى الحرب وتصاعد كلفتها؛ مع ما تركته من شبح فيتنامي يحوم فوقها. وحتى لو حصل تخفيض للقوات فلن يكون، في ضوء ما قاله، أكثر من خفض رمزي.

كلام الرئيس الأميركي فيه أكثر من اعتراف، فهو إقرار ضمني بأن الحالة الأمنية في العراق استعصت على الاحتواء والتجفيف. العمليات صارت أكثر دموية وقدرة على الحركة. وهو ربما أدرك، من تجربة سنوات الاحتلال، ان الوعود الوردية ورفع درجة التفاؤل، تكون كلفتهما السياسية عالية عليه إذا تعثرت ترجمتها على الأرض. لذلك تحدث عن «قتال عنيف» مقبل وعن «مزيد من التضحيات». ثم هو يعترف سلفاً بأن ما سيأتي به تصاعد المواجهة لن يكون أكثر من «مزيد من التقدم نحو النصر». مما يعني أن هناك تسليماً بطول الطريق وبأن الحسم غير قريب. مع ذلك كرر الرئيس الأميركي إصراره على المضي قدماً في القتال حتى «النصر الكامل»، الذي قال إنه «لن يرضى بأي شيء أقل منه».

والرئيس بوش لا يدرك أن مثل هذا التأكيد لجأ إليه أحد أسلافه، في ظروف مشابهة، لكنه اضطر إلى بلعه والتراجع عنه. الرئيس جونسون قالها صراحة، أيام فيتنام، إنه لن يتعب ولن ينسحب. وفي النهاية حصل العكس.

وبالرغم من معرفته بذلك، يتمسك بوش بإصراره ويرفع من وتيرة نبرته المتشددة والهجومية والتي حفل بها خطابه أول من أمس.

وتجدر الإشارة إلى أنه كان قد عقد لقاء موسعاً، مع العديد من وزراء الخارجية والدفاع السابقين، قبل أيام عدة في البيت الأبيض؛ وسمع انتقادات بعضها لاذع ـ من الوزيرة أولبرايت ـ لكنه استقوى ربما، بما يشبه الإجماع لدى الوزراء، جمهوريين وديمقراطيين حول ضرورة استبعاد خيار الهرولة؛ على اعتبار أن الولايات المتحدة لن تقوى على الخروج من العراق هرباً أو مهزومة.

كذلك جاء كلامه بعد صدور تقرير مستقل حمل أرقاماً مخيفة ـ تريليونا دولار ـ حول الكلفة المحتملة لحرب العراق!

غير أن السوابق والأرقام، مع الاعتراف بالتعثر وبضراوة المعركة في الآتي من الأيام؛ لم تثن الرئيس الأميركي عن المضي في نهجه ورفض أي صيغة من صيغ الجدولة، ولو التقريبية منها. علماً بأن النقمة على الحرب تتزايد في الشارع الأميركي وفي مجلسي الشيوخ والنواب. وفي الوقت ذاته يحتفظ البيت الأبيض بخطاب تحذيري متجدد تجاه سوريا وإيران. فهل يلجأ إلى تأزيم آخر يصرف الأنظار عن وضعه في العراق؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات