البرلمان العربي.. الاقتصاد أولاً ـ عبدالله بشارة

البرلمان العربي.. الاقتصاد أولاً

«دنيا عجيبة غريبة.. كل يوم لها أحوال» هكذا تقول الأغنية الكويتية التي يشدو بها المغني المفجوع، وهكذا نختار من أحداث الأيام الأخيرة، بعضها للتعليق لأنها قريبة إلى اهتمامي، فيها المفجع، وفيها المبهج، وفيها المتوهج، ولعلني أشير في أولها إلى مأساة السياسي والكاتب والناشر غسان تويني صاحب «النهار» الممزوجة حياته دائماً باستحقاقات النجاح وتسلل الألم المفجع.

لم أعرف الابن الشهيد جبران كما يجب، لكنني عرفت الأب كما سمحت لي ظروف العمل في الأمم المتحدة في مدينة نيويورك خلال عملي ممثلاً للكويت في مجلس الأمن 1978 ـ 1979.

وكان الأستاذ غسان تويني ممثلاً دائماً لجمهورية لبنان خلال فترة دقيقة من تاريخ لبنان، وصراع لبنان مع المنظمات الفلسطينية وانقسامه الداخلي وتمحور زعاماته السياسية وجمود القيادة أيام سركيس، وانعدام الوضوح في السياسة اللبنانية تفضيلاً ـ كالعادة ـ للضبابية والاختفاء وراء الغموض.

كان غسان تويني أكبر من دبلوماسية بلده، وكان أضخم من جهاز وزارته، وكان أوضح من مواقف بلده، وكان أشجع من سياسيي لبنان، وكان أبلغ من مفرداتهم، وكان أشطرهم بل يمكن القول كان أكثرهم نجاحاً وأكثرهم صدقاً.

وكنت أتعجب من قدرته على صوغ مواقف في بلد لا يتخذ المواقف، وشاهدته ديناميكياً في تحركاته وسريعاً في اتصالاته، لبنانياً حتى العظم في استفادته من كل الناس ومن كل الأدوات التي وظفها لمصلحة لبنان، بما في ذلك اتصالاته معي كعضو في مجلس الأمن.

وكان يقود العمل اللبناني ـ في ظروف صعبة ـ بوقار القادم من بيت رفيع، كان له مقام وحضور أي «كلاس» متفوقاً في النزاهة على أعضاء الصالون السياسي اللبناني، ومعه زوجته السيدة «نادية تويني» الشاعرة الرقيقة ذات الجسم النحيل التي تتحرك بمشاعر متدفقة وبخطوات ثقيلة، تعاني من مرض مزمن ولكنها تحمل الوجه الملائكي الناعم المتفائل.

وشاهدت غسان تويني يقف كالمارد على الصندوق الخشبي الذي ينام في داخله ابنه جبران، ويخفف من صراخ الابنة المفجوعة، ويخطب بكبرياء المجروحين، وترفع المتعالين، لا ثأر ولا انتقام، ويدعو إلى وحدة وطنية تستخلص من التراجيدية التي عاشها غسان تويني في حياته الممتدة لثمانية عقود، وفصول التراجيديا في حياته معروفة ومدونة.

وكنت أتساءل وأنا أشاهد المنظر المحزن في عزاء الكنيسة عن قدرة الإنسان على التحمل وقدرته على الارتفاع عند الشدة، واتصلت بمكتبه لأشيد بالرقي في المحنة والترفع عند المأساة.. ونتابع صدور «النهار» المشتعلة دائماً ولا تموت لأن الذين يملكونها حاصلون على طاقة دائمة في الحياة.

وننتقل إلى المبهج في تزكية محمد جاسم الصقر رئيساً للبرلمان العربي الانتقالي، تعبيراً عن المكانة الكبيرة التي تتبوأها الكويت في محيطها العربي ودورها البناء في المؤسسات العربية المشتركة، وترجمة لثقة الدول العربية في قدرة المرشح الكويتي النشط والطموح.

وانسجاماً مع تصورات هذه الدول وتوقعاتها من رئاسة المرشح الكويتي الذي تعيش السياسة وأحداثها في خلايا جسمه، والتي يحملها في جينات العائلة التي ينتمي إليها، وأنا سعيد برئاسة الصديق محمد الصقر، ولأنني عضو في الهيئة الاستشارية في مجلس التعاون وأول رئيس لها، يمكن إبداء المخاوف التي تولدت من تجربة الهيئة الاستشارية في مجلس التعاون:

أولاً: بذلت الكويت جهداً سخياً لتأمين نجاح المرشح الكويتي، مدعومة بقرار واضح وقوي من قادة مجلس التعاون، ومجندة ما لها من مكانة وتأثير وراء هذا المرشح، واستجابة الدول العربية بسبب موقع الكويت وبسبب كفاءة المرشح.

والتمنيات التي نضعها على طاولة الرئيس محمد الصقر جاءت في كلمته في الجلسة الأولى التي أشار فيها إلى الموازنة الحكيمة والشجاعة بين الطموح وبين الممكن، وما أشار إليه الرئيس حسني مبارك في ضرورة المواءمة بين المصالح القومية والمصالح القطرية والتمييز بواقعية بين ما هو ممكن وما هو مستحيل.

ويتحمل الرئيس محمد جاسم الصقر مسؤولية كبيرة في الحفاظ على حياة البرلمان الجديد وتطوره ونشأته ولذلك عليه البدء في القضايا التي تنال الإجماع وهي جوهرية، ولا يمكن الجدل حولها، وهي حقوق الإنسان وسيادة القانون واستقلالية القضاء.

واحترام المواطنة وحقوقها ومسؤولياتها، وهي مبادئ ـ ليست حكراً على ثقافة دون أخرى ـ كما يقول الرئيس حسني مبارك، وليست قوالب نمطية جاهزة يمكن استيرادها أو تصديرها.

وإنما هي «قيم ومبادئ إنسانية تشترك فيها كل الشعوب والثقافات وإن تباينت المراحل والأولويات والأشكال والأدوات كل حسب خصوصيته»®. هكذا جاءت كلمة الرئيس حسني مبارك.

وفي هذه الفقرة دعوة إلى التدرج في العمل، ومراعاة خصوصية كل دولة عربية واحترام التنوع القومي، والالتزام بحقائق الديمغرافية والجغرافيا والمصالح والأولويات لكل بلد، لأن البرلمان العربي هو امتداد للواقع الرسمي العربي، وأعضاؤه من مجالس القليل منها منتخب والباقي معين ومن مشارب الرسمية الحكومية، ولا نتوقع أن يقع البرلمان الجديد في مطب دور المعارض والمناطح..

ثانياً: نتمنى أن يعطي البرلمان الجديد الأولوية للعمل الاقتصادي بكل جوانبه التجارية والنقدية والاستثمارية وهي جوانب تلقى الإجماع والقبول، وأبرز مظاهرها التنفيذ الصادق لاتفاقية التجارة العربية بإزالة التحفظات والاستثناءات وإصلاح الواقع الضريبي، وإعادة النظر في قوانين الاستثمار وأبرزها حقوق المستثمر في المقاضاة والتحكم وضمانات رؤوس الأموال والخروج من قيود البيروقراطية الطاردة.

ونلاحظ بأن اختصاصات البرلمان ركزت على التكامل الاقتصادي وهو هدف بعيد المنال يحتاج إلى مواصلة الدعم الجماعي، لأن هذا التكامل هو الطريق المؤدي إلى تحقيق التبادلية في المنافع والمشاركة في المصالح، ودون الترابط التجاري لن تتحقق المشاركة.. مازلت أقول بأنه لا يوجد ما يشدني نحو ليبيا في إطار المصالح المشتركة.

ولا يوجد لدى الليبي ما يشده نحو الخليج، وهناك مصالح تأخذني نحو لبنان ولا تأخذني نحو السودان، وبإيجاز نضع أمام الرئيس محمد الصقر التحدي وهو كيف تتحقق المصالح المتبادلة بين الدول العربية.

. هذا البرنامج الطويل يشكل جدول أعمال دائم دون إثارة الحساسيات أو المخاوف التي ندركها نحن في الهيئة الاستشارية لدول مجلس التعاون وسعينا إلى الابتعاد عنها حفاظاً على استمرار التجربة.

كنت أقرأ صحيفة القبس في عددها الصادر يوم الخميس 29 ديسمبر حيث غطت المؤتمر الصحافي لرئيس البرلمان العربي محمد الصقر الذي قال فيه بأن بعض الحكومات تسعى لجعل دور البرلمان العربي دوراً استرشادياً واستثمارياً فقط، وليس تشريعياً رقابياً، وانه لن يقبل بهذا الوضع وسيترك منصبه إذا اقتصر دور البرلمان على الاستشاري فقط.

وأتمنى ان لا يبدأ الرئيس الجديد عهده بالتلويح بالاستقالة.. أسهل شيء يعمله الإنسان عند الشدة هو الخروج منه بالاستقالة،وإنما نريده ان يصون التجربة ويراعي الواقعية، فالواقع يقول بأن البرلمان العربي يصدر الآراء والتوصيات فقط .

وليست له صلاحيات تشريعية، ولكن تقبل أية دولة عربية ترك قضاياها وسيادتها في يد البرلمان الجديد مهما كانت شرعيته، ولهذا ندعو الرئيس الجديد ان يحافظ على هدوء المرحلة التأسيسية ويخاطب الممكن قبل المستحيل.

وأخيراً أسعدني جداً حصول الرجل الفاضل يوسف الحجي راعي العمل الإسلامي الجماعي على جائزة الملك فيصل الخيرية، وعلينا ان نعتز بالعطاء الوافر والجهد السخي وتسخير كل الطاقات من أجل ما يؤمن به السيد الفاضل يوسف الحجي.

شاهدته في باكستان يفتتح، وتابعته في مصر يدشن، وقرأت عنه في إفريقيا يوقع على خريطة المستقبل للعمل الإسلامي النظيف والراقي.

وأشارك المشاعر المهنئة التي رافقت الإعلان عن حصول يوسف الحجي على هذه المكانة المرتفعة، وعشت في المملكة وأعرف الضوابط الدقيقة والموزونة التي تنظم الفوز بجائزة الملك فيصل، هنيئاً لنا وليوسف الحجي تقديراً ومكانة وامتناناً.

وهكذا الدنيا كل يوم لها أحوال، وكل يوم فيها مفاجآت وفعلاً كما يقول المغني الكويتي دنيا عجيبة غريبة، كل يوم لها أحوال.

رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات