«فتح» .. تحديات مصيرية وآفاق ضبابية ـ د. محمد خالد الأزعر

«فتح» .. تحديات مصيرية وآفاق ضبابية

بصعوبة بالغة وجهود مضنية، تمكنت حركة فتح من تجاوز أزمة انشطار مرشحيها للانتخابات التشريعية في قائمتين منفصلتين. لكن الخبر غير السار أن هذه الأزمة ستخلف وراءها جروحاً وندوباً ربما شوهت جسد الحركة وأصابته بعاهات مادية ومعنوية مستديمة وممتدة الأثر لم يعرفها من قبل.

لا يخدم فتح من يروج للاعتقاد بأن ما جرى من تنازع داخلها، بين يدي التهيؤ للاستحقاق الانتخابي، لا يعدو كونه مماحكات أو تدافع وتزاحم داخلي معتاد، سبق للحركة أن مرت به وعبرته إلى بر التلاحم والتوحد. فنحن نستذكر مع الكثيرين أن فتح تعرضت لرياح الفتن والانشقاقات ومواقف التمرد، وكذا لمحاولات إنشاء المحاور الجانبية وتبادل الاتهامات.

وصولاً إلى المقاطعة والتخاصم وأحياناً التشاتم بين بعض قياداتها وكوادرها وجماعاتها.. لكننا نستذكر أيضاً أن هذه الظواهر كانت في معظمها تجليات لتباينات موضوعية وخلافات حول البرامج والسياسات والأهداف ووسائل تحقيقها وأنماط التحالف وبعض المواقف من ممارسات وأساليب صناعة القرارات..

بمعنى أن محفزات التمايز والتشاحن في أحشاء الحركة كانت تنتمي إلى، أو تقوم على، اعتبارات بعيدة عن الشخصانية أو تضخم الذوات من لدن هذا «الزعيم» أو تلك «الشلة»®.

وفي المناسبات التي تلصصت فيها الخلافات على هذه المحفزات الأخيرة بفجاجة لا تقبل الالتباس، كانت الحركة قادرة على الاستدراك، وصولاً إلى التخفف من بعض القيادات والرموز أو الجماعات المؤذية لصورتها.. كذلك فإن مواسم التأزم والاحتباس الداخلي كانت تعتور مسيرة فتح على فترات متباعدة.

أين هذه السوابق والتقاليد من خصائص الأزمة الأخيرة التي نظنها فارقة ومفصلية؟. إن السمة المميزة لاحتشاد قادة الحركة في قائمتين أوشكتا أن تتنافسا بضراوة على ثقة المجال الشعبي ذاته وفي مناسبة واحدة بالغة الحساسية، هي التنازع الزعامي القيادي على أرضية رحبة من الدوافع الخاصة أو الذاتية.

فالشاهد أن المسافة الفاصلة بين برامج القائمتين، فتح «المستقبل» وفتح «الجذور والتاريخ» جدلاً، لم تكن كبيرة ويصعب تبريرها استناداً إلى فوارق موضوعية منظورة.. ففيما يتعلق بالتوجه نحو التسوية الفلسطينية مثلاً.

وهي من القضايا المحورية في عملية الفرز والتمييز، نجد أن القائمتين تلاقتا إلى ما يشبه التماثل. ولا أدل على ذلك من أن معظم قادة «المستقبل» محسوبون على فريق فتح المفاوض وفقاً لأوسلو وتوابعها وشروطها، الذي يرأسه أصحاب القائمة الأخرى!.

هذا على الصعيد الفردي والقيادي، أما على صعيد الجماعات والمحاور فيصبح القول بأن مشاغبات بعض الفتحاويين انبعثت، على مدار مرحلة الحملة الانتخابية وما قبلها بوقت قصير، من البحث عن تحسين الظروف المعيشية والمراتب الوظيفية.

وهذا التقدير لا ينصرف إلى قطاعات من الحركة ما زالت أمينة أكثر على الأهداف الوطنية وتتحرك غضباً وسخطاً انطلاقاً من نوازع لا تشوبها رغبة الارتزاق.

خطورة أزمة القوائم أنها تأتت عن غلبة المصلحي الخاص الذاتي وتحرى المواقع والأدوار والوجاهة الشخصية والمكانات والعقلية الطفيلية.

وفي هذه الغضون شحبت النوازع والهموم المصلحية العامة، حتى بدأ أصحاب القائمتين وكأنهم يعيشون مرحلة ما بعد التحرر والاستقلال. بل ويصح تصور أن البعض من هؤلاء تناسى في حمأة الجدل الداخلي الفتحاوي أن حركتهم بأسرها مقبلة على منازلة انتخابية غير مسبوقة، مع ند سياسي يكاد يطيح بها عن مقام الفصيل الأول.

وهناك سمات أخرى للأزمة تعامدت على هذه الخواص، بما قد يسوق مستقبل فتح إلى نفق مجهول النهاية وهي التي تحتفل هذه الأيام بذكرى انطلاقتها الحادية والأربعين.

من ذلك أن انقسام الحركة تأسس بشكل لا يقبل التناظر هذه المرة على التنافر بين الأجيال والأعمار والأقاليم والقواعد الشعبية. فقائمة المستقبل ضمت الأكثر شباباً وإقامة في الداخل، الضفة بخاصة.

ولنا أن نلاحظ كيف أن حل الأزمة لم يقم على منطلقات حوارية وتفاهمات وتنازلات متبادلة وإنما جرى بما يشبه لي الأذرع وفرض الشروط والاملاءات، لا سيما من الشباب واليافعين من أبناء الداخل في مواجهة الشيوخ و«العائدين» من الخارج!.

وهو مشهد قابل للتكرار في أوقات ومناسبات لاحقة. هذا ونحوه علاوة على ما يوحي به تتابع أزمات فتح مؤخراً بوتيرة أكثر كثافة عن النمط المعهود.

بدأ العام 2005 بأزمة ترشح مروان البرغوثي (من شباب الداخل) ضد محمود عباس (من شيوخ الخارج المؤسسين)، وانتهى بأزمة القائمين. وبين هذه البداية والنهاية لم تقر عين فتح فكرياً وتنظيمياً، وكانت على الأرجح الأقل شأناً من حيث الانضباط الداخلي، حتى بوغتت بموسم الانتخابات التشريعية وهي دون الجهوزية والاستعداد اللازمين.

من الضروري فهم هذا الطرح على إنه نذير لفتح بالانتباه إلى التداعيات السلبية لما يعتمل في جوفها من ظواهر على مكانتها بين القوى الفلسطينية، بل وربما على مصيرها برمته. وعليه، لا ينبغي أن يطمئن الفتحاويون إلى أن سيرتهم النضالية وموقعهم التاريخي وكبر حجمهم وشرعيتهم الثورية .

ونحو ذلك من فضائلهم، مبررات خالدة وكافية لدحر منافسيهم في صلب النظام الفلسطيني. إن توالي المستجدات وتراكم المتغيرات داخل الحركة ومن حولها في البيئات المحلية والإقليمية والدولية، قد تؤدي إلى النيل منها وصولاً إلى احتمال تشظيها بقوة وإزاحتها من سدة القيادة والحكم.

شيء من ذلك حدث بالفعل بالنسبة لقوى وأحزاب طليعية في غير المثل الفلسطيني. ففي الهند ذهبت رياح حزب المؤتمر وبات معرضاً في كل دورة انتخابية لشغل مقاعد المعارضة.

وفي الجزائر هُزمت جبهة التحرير أمام القوى الإسلامية ولم تتمكن من الديمومة في الحكم إلا بأزمة ما زالت مفاعيلها قائمة منذ عقد ونصف، جرى فيها اللجوء إلى حد السيف.

وبشق الأنفس يعيش حزب الوفد في الساحة السياسية المصرية، وهو الذي تزعمها بأغلبية ظاهرة إبان زمن الكفاح الوطني للاستقلال. ولماذا نبتعد ألم يكن حزب الماباي (الأب الشرعي لحزب العمل) سيد الحياة السياسية والنظام في إسرائيل لثلاثة عقود، فيما هو يكابد راهناً للاحتفاظ بمجرد موقع محترم في المعارضة ؟.

كأن استلهام السوابق وسنن قيام الأحزاب وقوتها وقعودها وضعفها وأفولها، يفرض على فتح التأمل جدياً في حالها ومآلها. وأول شروط هذه المراجعة الحكيمة الاعتراف بوجود نواقص الحركة وعيوبها على صعد الفكر والحركة والتنظيم والتجنيد والممارسات الداخلية والخارجية..

كل ذلك مع الاعتبار الشديد إلى أن الحالة الفلسطينية ما زالت في طور السعي للتحرر الوطني والبحث عن الدولة وانتزاعهما من فم الذئب الصهيوني الإسرائيلي ومحازبيه الدوليين.

إذ فعلت فتح ذلك، فستبقى ذكرى انطلاقتها موحية ومصدر إلهام وبُشرى للشعب الفلسطيني..

mohamedalazzar@hotmail.com

كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات