خط مباشر

خدام وآخرون

تجارة المعارضة في الخارج باتت أحدث ظاهرة تعكس مدى انحطاط العمل الوطني العربي.

عبدالحليم خدام ليس أول عربي يستثمر خطورة وضعه السياسي تجاريا من موقع سلامة وعافية خارج حدود الوطن. ولن يكون الأخير ان هناك وفرة في البلدان العربية كافة في أعداد من لديهم الاستعداد والموهبة والسفالة لممارسة هذا النوع من الاستثمار.

ان السياسيين الذي يختارون لأنفسهم ممارسة نشاط معارض من الخارج لا تحركهم سوى دوافع طموح ذاتي غير مشروع لأنهم يدركون سلفاً أن نشاطهم محكوم بالضرورة والحتمية بأجندة العاصمة المضيفة وبينما يعلمون علم اليقين ان المطلوب منهم هو خدمة هذه الأجندة وحدها فانهم يعلمون أيضا أن هناك مكافأة سخية.

في باريس مدينة الأضواء يقيم الآن عبدالحليم خدام داخل قصر منيف يليق بنائب رئيس جمهورية سابق، ودون كبير عناء ـ وقياساً على السوابق ـ نستطيع ان نتصور الامتيازات الأخرى التي خصصتها له الحكومة الفرنسية.

لكن من ناحية أخرى نستطيع ان نتصور أيضا كيف يقضي يومه وليلته كمتطوع. فسيل الزوار الفرنسيين من مسؤولين أمنيين واستخباراتيين ودبلوماسيين لا ينقطع من أجل استحلاب معلومات بالغة السرية من الضيف السوري الكبير أو الإصغاء إليه جيداً يقدم تحليلاً أو يسدي نصحاً حول مسائل معينة ومحدودة مما يتصل بمصالح الدولة الفرنسية بشأن سوريا أو المنطقة العربية عموماً.

وربما يتراءى للمسؤولين الفرنسيين توسيع نطاق الزيارات من المنظور الدولي للمصلحة الفرنسية فيتطلب الأمر استقبال السفير الأميركي أو السفير الإسرائيلي كتمهيد لزيارة عمل لاحقا يقوم بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومن بعده رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي.

لوصف مثل هذا المسلك استخدمت دمشق نعت «الخيانة» ولكن هذه أيضا هي رؤية مسؤولي الدولة المضيفة فبقدر ما يفرح هؤلاء المسؤولون بأنهم ظفروا بمثل هذه الشخصية السلطوية فإنهم في قرارة أنفسهم، وهم يستمعون إليه يسيء إلى وطنه، لا يسعهم سوى استشعار أعلى درجات الاحتقار نحوه.. رغم أنهم يكتمون هذا الشعور بطبيعة الحال.

ان من يخدم الغرب ضد وطنه فهو بالامتداد في خدمة الأجندة الأميركية والإسرائيلية ضد الأمة العربية. ولذا فهو الآن في طريقه لأن يكون من المليارديرات.

على هذا الطريق سار الكثيرون من المعارضين العراقيين الذين خدموا الأجهزة الاستخبارية الأجنبية ضد أوطانهم فحققوا ما طمحوا إليه من ثروات.

إنها تجارة سهلة.. وسريعة العائد ولا تتطلب سوى تعطيل جهاز داخل النفس يسمى «الضمير».

وإن كانت تنطوي على شيء من الصعوبة فهي صعوبة التنافس، ففي العالم العربي وفرة متجددة من سياسيين وأصحاب مناصب سلطوية وإعلاميين وقانونيين.. الخ ممن فرغوا من مهمة تعطيل جهاز الضمير انتظاراً لفرصة استثمارية خارج الحدود.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات