كان عرشك في قلوبنا ـ د. حصة لوتاه

كان عرشك في قلوبنا

جردني خبر وفاتك من الكلمات، بهتت من حولي الأشياء وصار للحزن في جسدي رجيج يخضه، إذ رياح النشيج تدفعه إلى مواطن الحزن.

ليس بالهين علي أن أفقدك، وليس بالهين علي أيضا أن أرثيك، فأنت لم تكن في حياتنا كما أنت لدى الكثيرين، حاكما أو شخصية عامة، أو حتى شخص يعرفونه قليلا أو ربما التقوه يوما أو صافحوه، كنت في حياتنا أخانا الذي نشأنا وحضوره في الحياة جزء من حضورنا ومن وجودنا اليومي.

تفاصيل كثيرة في عمرنا الذي عشناه كنت فيها بحضورك الجلي، وذكريات عمر كنت أنت جزءها المركزي، وكثير من الحكايات التي تشكل نسيج العمر للإنسان. ما زالت قصص أيامكم وأنتم فتيان تترد في جلساتنا، تعلقك بالعلم.

وبمدرسيك الذين بدأوا معك دربه، واحترامك وتبجيلك لهم، النماذج الخيرة من الرجال الذين كنت تعتز بمعرفتهم ووجودهم، مشاركتنا أيام أحزاننا وأيام أفراحنا.

كل هذا جعل لك في نفوسنا مكاناً لا يسكنه أحد غيرك. لذا حين تغادر لا يغادرنا جسدك فقط بل تغادرنا أيضا أشياء وذكريات كثيرة وحميمة أسكناها قلوبنا وأغلقنا عليها نفوسنا. يغادرنا جزء حميم من العمر الجميل الذي عشناه معك أو بحضورك يوم كانت ثياب الأيام ترفل بالبساطة والحميمية، يوم كانت الدروب والتراب والشواطئ مراتع للأحلام الجميلة والأغاني والعشق الذي يتغلغل في نفوسنا لكل شئ حولنا، يوم كان كل شئ أقرب إلى النفس وجزءاً لصيقاً بها.

اليوم تفقدك كل هذه التفاصيل، أو ما بقي منها في نفوسنا، تفقدك المدينة التي بقيت ابتسامتك المرسومة على جدرانها غيمتها الحانية، وإذ تغادرها يئن في داخل ضلوعها الإسمنتية قلب سيجته تفاصيل المدينة التي كبرت بعيدا عن أحلامنا.

كنت قبل يومين من وفاتك أقول لأخي الأكبر إن لهذا الرجل في نفسي نفس المحبة التي أحملها لك، فسرح قليلا وقال أنا قلق عليه، وبي شعور لا أعرفه، شعور لا يريحني، وقد زارني حلم زاد من هذا القلق. لقد داهمه حزنك قبل أن يصطفيك الرحمن، فليس بالهين أن تفقد أقرب الناس إليك ولا يداهمك حزن رحيله أو فقدانه قبل رحيله بأيام وشهور طويلة.

شيء ما في جسدك وفي نفسك يستعشر ذاك الفراق، فيبدأ الجسد رحلة المعاناة والألم الداخلي، ربما لندرك أن الله يهيئنا لتقبل قضائه ويخفف من درجته علينا، مثلما يجعلنا ندرك أن لحكمته أبعاداً مختلفة ولنا أن نتفكر فيها سعيا لإدراكها.

لقد كان لك يا بوسعيد مكان العرش من القلب، وأنت الذي لا يسكنك الذين يعرفونك إلا عروش قلوبهم، فليس من مكان آخر أليق بك غير هذا المكان.

كل شئ في نفسك كان يهيئك للسكن في مكان خاص في قلوب من يعرفونك، محبتك للناس، احترامك لهم، تواضعك، حرصك على العطاء والمشاركة، وفوق كل شيء سماحة في الوجه وطيبة لا تخطئها عين أو نفس الناظر إليك فلا يملك إلا أن يحبك، لأن الإحساس الذي يصله إحساس مليء بالمحبة وباعث على البهجة والسرور.

لقد كانت لك خصال لا تعطي لصاحبها إلا المكانة العالية والتبجيل، فكانت لك دوما تلك المكانة عند كل من عرفوك. فهنيئا لك بما حملته نفسك، لأن كل الذي حملته سيكون لك بإذن الله مفتاحا لقصر جميل في الجنة، قصر بنيته بخصالك وسقت لبنات حجارته دعوات كل أم سندتها أو سندت أبناءها، كل إنسانة وقفت بجانبها في لحظة حاجة، دعوات رجال كنت سندهم .

وهم يسعون في طلب العلم في أيام المعاناة والشظف، واليوم يتبوأون مراكز عالية وينعمون بحياة رغدة، دعوات شباب آويت أحلامهم وطموحاتهم وأسرهم وحققت لهم الكثير مما كانوا يسعون إليه.

واليوم إذ يحمل جسدك إلى مثواه الأخير تطير الملائكة بروحك على أجنحة كل تلك الدعوات، فعسى الله أن يدخلك من أوسع وأجمل أبوابه، وعسى أن لا ينسى بفضله الأرواح التي بقيت من بعدك وبرحيلك مغمورة بالحزن، فينزل عليها من سكينته ويرسل لها من ملائكته ما يعينها على تحمل ألم فراقك وغصته.

وعسى أن لا تلامس أجسادهم إلا أنسام الرحمة، لأنهم أحبوك وأسكنوك قلوبهم ومحاجرهم فكنت قرة عينهم وسندهم وظل أشجارهم التي كانت تمنع عنهم هجير الحياة، فعسى أن لا يصيبهم هجير من بعدك والا يرسل لهم ربهم إلا نعيم رضاه وبهجة حضوره في نفوسهم.

هنيئا لمن يستقبلونك اليوم بإذن الله في جنان الرحمن، هنيئا لوالديك ولولديك، وعسى أن تقر بهم عينك وتقر بك عيونهم وعسى أن لا ينسى الرحمن من تركتهم خلفك فلا يبادرهم إلا بفضل من رضوانه.

وسلام على روحك الخيرة، وطوبى للتراب الذي يضمك اليوم فقد كنت أحن عليه من كل من مشى عليه، وعسى أن يضيء نور وجهك ونور من الرحمن ظلمات قبرك وأن لا يصيبك في مكانك ذاك إلا السكينة وأن يثبتك الله بالقول الثابت، ولك السلام.

جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات