رحيل الطيبة

رحيل الطيبة

ما أوشكت جروحنا أن تندمل بعد مصابنا الجلل في فقد قائد الأمة الشيخ زايد حتى ثكلنا بفقد آخر كبير، وكأنما أبت الأقدار إلا أن تهدينا في أعيادنا جروحاً تستوطن أجسادنا وغصة تفقدنا القدرة على التفاعل والكلام، غصة تشل كل قدرة لنا إلا قدرة النشيج الحارق الصالي لثنايا القلب. الفقد المتراكم هذا، المتأطر بوجدانية الرحيل، تلك الوجدانية الملتاعة على جميع مستوياتها الروحية والمادية، يسلبنا كل شيء: الزمان، المكان، البشر والأشياء ولا يبقي لنا غير الألم.

لم يكن صباح الأربعاء كريماً معنا، وقبله لم يكن مساء أحد أيام الثلاثاء في السنة قبل الماضية أيضاً كريماً. كانت صباحات موجعة، قاسية وحزينة. صباحات هطلت فيها دموعنا مثل الأمطار الصحراوية خارج موسمها. صباحات اغتالت فرحة اليوم الجديد وخلفتنا في ذهول صامت، عاجزين عن الإدراك. صباحات كسيحة، ثقيلة يلفها الحزن والصمت.

كيف لنا أن نستوعب كل هذا الغياب؟ وكيف لنا أن نتكيف معه؟

الموت حق، نعرف هذا ونؤمن به أشد الإيمان، ولكنه صعب أحيانا خاصة عندما يكون الراحل إنساناً له حضور خاص في ذاكرتنا التاريخية. إنساناً لم نذكر منه إلا طيبته ورحابة قلبه وحبه لوطنه وشعبه.

رحل في البداية صاحب الأيادي الخضراء، النخلة الأخيرة في واحة العرب المحاصرة بالجفاف، واليوم لحقت بها نخلة أخرى باسقة عرفت بظلالها الرحبة والأليفة.

وداعا يا طيب القلب، وعسى قبر يضمك يكون لك فيئاً رحباً برحابة طبيعتك، وأن تنقلب وحشة ظلامه في حضورك ضياءً ينير لك دربك الأخضر، وليرافقك النور الذي كان يضيء به وجهك في مثواك الأخير.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات