الإمارات وجناحا الصقر الأسطوري

الإمارات وجناحا الصقر الأسطوري

تبدو دائماً دولة الإمارات في مخيلتي على هيئة صقر أسطوري يصعد إلى السماء، وكان يصور لي الخيال دائماً ان الشيخ زايد رحمه الله جالس على أحد جناحي الصقر بينما يجلس الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله تعالى على الجناح الآخر.

ربما ترجع هذه الصورة إلى خيال خصب، وربما ترجع إلى الخلفية الثقافية التي نشأنا في ظلها، لكن في كل الأحوال لاشك ان جهود الرجلين ودورهما في تكوين الإمارات الحديثة هو العامل الأكبر الذي جعل هذه الصورة تظل مسيطرة على خيالنا، ومسيطرة على وجداننا.

ويحزنني ويؤلمني كثيراً ان أتلقى اليوم الخبر الفاجعة، خبر وفاة الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، ولم تمض إلا عدة أيام على بداية عام جديد تتطلع فيه الإمارات إلى تحولات حقيقية تضاف إلى سلسلة تحولاتها الكبيرة التي شهدتها منذ نشوئها، تلك التحولات التي جعلت الإمارات تسير على التقدم والتطور. ولا شك أن الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم المغفور له بإذن الله تعالى قد واكب ذلك كله، وساهم في صنعه إسهاماً كبيراً بفضل ما يتمتع به من نظرة ثاقبة وحكمة ووعي صائب.

لقد كان له الفضل على دولة الإمارات بعامة وإمارة دبي خاصة. ففي عهده كانت تنتقل في سلم التقدم بخطوات ثابتة ورصينة، وفي الوقت نفسه بسرعة تعادل السرعات العالمية.

لقد كان له دور ملحوظ في استمرارية المؤسسات الدستورية في الدولة، وفي أداء رسالتها دعماً للوطن وتحقيقاً للمصلحة العامة ومصلحة الوطن، بما تمتع به من كفاءة متميزة وخبرة ملحوظة وهذه الأوصاف ليست من عندي بل هي الأوصاف التي وصف بها الشيخ زايد رحمه الله الشيخ مكتوم بن راشد في نص قراره كرئيس للدولة بتولي مكتوم رئاسة مجلس الوزراء.

وكان نص كتاب التكليف الذي وجهه رئيس الدولة إلى نائبه رئيس مجلس الوزراء بتشكيل الحكومة الجديدة هو «صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نظراً لاستقالة الوزارة بسبب وفاة المغفور له صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، ولضرورة استمرارية المؤسسات الدستورية في الدولة في أداء رسالتها دعماً للوطن وتحقيقاً للمصلحة العامة ومصلحة الوطن، ولما لمسناه فيكم من كفاءة متميزة وخبرة ملحوظة، وموافقة المجلس الأعلى للاتحاد.. فإننا نكلفكم بتشكيل حكومة جديدة برئاستكم على أن تعرض علينا مقترحاتكم للتقرير حيالها بما يلزم دستورياً».

ولقد كانت هذه الأوصاف في محلها؛ لأن دوره كبير في كل ما تحقق في الإمارات بصفة عامة وإمارة دبي بصفة خاصة، تلك الإمارة التي أصبحت بحق مركزاً تجارياً عالمياً جديداً بكل إعجاب وتقدير.

ويكفي أن نعلم أن الشيخ مكتوم رحمة الله عليه قد تسلم المسؤولية الأولى لأربع وزارات اتحادية، وكان لهذه الوزارات الأربع إسهامات بارزة تدل على ما قام به سموه في تحقيق الإنجازات العظيمة لشعب دولة الإمارات العربية المتحدة على مستوى النهضة الحضارية والعمرانية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية.

وما نشهده اليوم لأكبر دليل على ذلك، فلينظر أي منا حوله وسيجد مدى انتشار الأندية وبناء المنشآت الحديثة، وانتشار المستشفيات والمدارس والمعاهد وبروز دور جامعة الإمارات، وتوحيد القوات المسلحة وتحديثها وتزويدها بأحدث الأسلحة. أما الإنجازات التي شارك فيها الشيخ مكتوم بن راشد والتي تتعلق ببناء الإنسان الإماراتي فهي علامة رائعة ومشهودة في المسيرة الاتحادية العظيمة.

كما كان له «رحمه الله» دوره البارز في ترسيخ فكرة الاتحاد التي آمن بها إيماناً شديداً قولاً وفعلاً، فقد قال «رحمه الله» إن تلك المسؤوليات النابعة من الإيمان بترسيخ فكرة الاتحاد وكيان الدولة الاتحادية أطلقت المسيرة العلمية لتلك المؤسسات الاتحادية لتجعل من واقع الاتحاد خدمات متنامية نابعة من حاجة المجتمع لها وساعية لتلبيتها بالتمام والكمال.

ولن ننسى له أبداً سياسة الباب والقلب المفتوح التي اتبعها لتدعيم وتوثيق العلاقات بين القيادة والمواطنين، لمعرفة همومهم وقضاياهم ومشاكلهم واقتراحاتهم. وهذه علامة من علامات الشورى التي تضاف إلى سجله الطويل.

ولن ننسى له كيف عمل بعزم على إيجاد مصادر دخل بديلة عن البترول تتمثل في جعل دبي مركزاً تجارياً عالمياً، وخلق قاعدة صناعية ومحاولة الاكتفاء الذاتي لبعض المنتجات وتطوير صناعة البتروكيماويات.

كما كان للمغفور له ان شاء الله تعالى، دور أساسي في إنجاح السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة على المستوى العربي والإسلامي والعالمي، وله دور فيما حققته دولة الإمارات من مكانة سياسية في المحافل العربية والقومية، والإقليمية والدولية، لا سيما في مجلس التعاون الخليجي، ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الأمم المتحدة.

وكان له دور في مناصرة قضية الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، ودعم كفاحه ونضاله من أجل الحصول على حقوقه المشروعة. أما إسهاماته في تحقيق التضامن العربي فهي كثيرة ومتعددة، وكان له مع الشيخ زايد أثر كبير في حل كثير من الخلافات العربية بالطرق السلمية، تلك الطرق التي تميز السياسة الإماراتية على مدى تاريخها الحديث.

لقد ذهب أبو سعيد رحمة الله عليه تاركاً خلفه حياة حافلة اشتهر من خلالها بشخصية قوية وعقل كبير وقلب رحيم واسهامات كبيرة في دبي الحديثة بل والإمارات كلها، بما قام به من دراسة المشروعات واقتراح التشريعات الخاصة بالقوانين لإرساء قواعد البنية الأساسية ومقومات الدولة الحديثة. وقد بدا هذا في تخطيط المدينة تخطيطاً عصرياً، وفي النهوض التعليمي والاقتصادي والسياحي والفندقي والصحي والرياضي.. الخ.

رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وإنا لفراقك يا أبا سعيد لمحزونون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات