خط مباشر

السودان الجديد (3)

لماذا قررت إدارة بوش عند أوائل عام 2001 التدخل لوقف الحرب الدائرة في السودان؟

الإجابة ببساطة ـ وهي إجابة موثقة ـ هي أن الولايات المتحدة اعتزمت إنقاذ جيش «الحركة الشعبية» الجنوبية من هزيمة عسكرية حاسمة كانت وشيكة آنذاك.

أقول ان هذه الإجابة موثقة لأن السياسة التي اعتمدتها إدارة بوش تجاه الحرب في السودان كانت في الحقيقة مبنية على محتويات وثيقة أميركية شارك في إعدادها وصياغة توصياتها فريق عمل يتكون من خمسين من الخبراء الأميركيين المتخصصين في الشؤون السودانية، والإفريقية عموماً.

وفي شتى المجالات من دبلوماسيين مخضرمين واقتصاديين واستخباراتيين وسياسيين محترفين وممثلي هيئات كنسية وهيئات «إغاثة» وجماعات ضغط في الكونغرس. وكان الفريق يمارس مهمته تحت إشراف «معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

الوثيقة التي تتكون من 12 صفحة تحمل عنوان «السياسة الأميركية لوقف الحرب في السودان». وأبرز ملاحظات وتوصيات الوثيقة ما يلي:

* أعرب فريق العمل عن تخوفه من دخول السودان عصر الإنتاج النفطي بمعدلات إنتاجية متصاعدة منذ عام 1998 «مما أدى إلى تغير ميزان القوة العسكرية لصالح الحكومة السودانية».

ولمزيد من الشرح لهذه الملاحظة الأساسية تقول الوثيقة بصورة أكثر صراحة «ان النفط أدى إلى تغيير الحرب في السودان بصورة جذرية.. فقد حفز الخرطوم إلى تركيز جهودها العسكرية وتعزيزها. وقد أصبح النفط عنصراً ملازماً لشراكة الخرطوم الخارجية مع دول وشركات». (المقصود بصفة خاصة الصين وماليزيا).

وتضيف الوثيقة: «لأن النفط أدى إلى توسيع عدم التوازن الاستراتيجي بين الحكومة و «الحركة الشعبية» فإنه بات واضحا ان احتمالات انتصار عسكري للحركة الشعبية أصبحت ضئيلة. وخلال العامين الماضيين «1998 ـ 2000» تضاعف إنفاق الخرطوم العسكري».

ما معنى هذه الملاحظة؟

المعنى يتحدث عن نفسه بنفسه. ذلك ان الخبراء واضعي الوثيقة كانوا يستحثون الإدارة الأميركية على التحرك بسرعة لوقف الحرب من أجل إنقاذ جيش «الحركة» الجنوبية من هزيمة عسكرية باتت حتمية بعد تحسن الوضع المالي للحكومة بسبب العائدات النفطية مما ينعكس ايجابياً على تجهيزات القوات المسلحة الحكومية.

تأسيساً على هذه الملاحظة أوصى فريق الخبراء بنقل الأمر من ميدان القتال إلى مائدة التفاوض. فالوثيقة تنبه الإدارة الأميركية إلى أنه «إذا دخل الجنوب في تفاوض الآن مع تمتعه بدعم خارجي فإنه سيكون في وضع قوي نسبياً لضمان مصالحه السياسية والاقتصادية.

والعكس صحيح إذا تأخر في اتخاذ تلك الخطوة لعدة سنوات».

وتحذر الوثيقة من ان الفارق العسكري المتسع لصالح الحكومة قد يغري الخرطوم برفض التفاوض مستفيدة بصورة كاملة من ضعف الجنوب العسكري.

هكذا قررت الولايات المتحدة التدخل المباشر لوقف الحرب من أجل مصلحة أهل الجنوب. وما إن بدأت العملية التفاوضية حتى سارعت إدارة بوش إلى تبني «قانون سلام السودان» كورقة ضغط ضد الطرف الشمالي لحمله على تقديم تنازلات جسيمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات