الدستور - الاردن

سوريا في مواجهة موقف صعب

احدثت تصريحات السيد عبدالحليم خدام الرجل الذي ظل حاضرا في القرار السياسي السوري لمدة تزيد عن خمسة وثلاثين عاما هزة كبيرة على الساحة العربية والدولية لما تضمنته من مفاجآت واتهامات تسيء للنظام في سوريا خاصة في هذا الوقت الذي تتعرض فيه لضغوط خارجية على خلفية قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبنانـي رفيق الحريري والمتهم فيها شخصيات سورية ورد ذكرها على لسان السيد خدام.

في الواقع لا تكمن خطورة تلك التصريحات في الروايات التي ذكرها خدام ولكن في ان يقدم نائب الرئيس السوري وأحد اركان النظام على مثل هذا التصرف متحللا من كل التزام او مسؤولية يفترض انه تحملها بشكل متواصل ولسنوات طويلة، ذلك انه يوحي بوجود ازمة حقيقية في النظام ولم يكن قد مر وقت طويل على حادثة »انتحار« وزير الداخلية غازي كنعان الذي ورد ذكره كرجل لم تعجبه الطريقة التي عامل بها الرئيس بشار الاسد رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري على حد زعمه.

ليست المشكلة اذن في كون تصريحات خدام صحيحة او مفتعلة ولا في دوافعه الشخصية لوضع نظام بلده في هذا المأزق وانما في ظهور سوريا كدولة تواجه مصاعب داخلية وخارجية اكبر مما كان يعتقد الرأي العام العربي وربما السياسيون والمراقبون ايضا، والشواهد على ذلك كثيرة ومتعددة ومعظمها على صلة مباشرة وغير مباشرة بالوجود السوري في لبنان وما نجم عنه من فساد وتدخل في الشؤون الداخلية وتصفية حسابات شخصية ورسمية فضلا عن الاتهامات الموجهة لسوريا بلعب دور في العراق والتأثير على المنظمات الفلسطينية المقيمة عندها لاتخاذ مواقف مناكفة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

ومع عدم التسليم بصحة بعض تلك الاتهامات، ومع القناعة بوجود استهداف خارجي لسوريا مرتبط بمشروع اعادة رسم الشرق الاوسط من جديد فان تصريحات خدام ومن باريس على وجه الخصوص قد تشكل منطلقا لحملة مكثفة ضد دمشق، وهذا يفسر رد الفعل العنيف الذي رأيناه امس من مجلس الشعب السوري والذي طالب بمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى، وقد تختلف الاجتهادات هنا بالنسبة لكيفية التعامل مع هذه القضية ولكن ما جرى خلال اليومين الماضيين وضع الجميع هناك امام اختبار صعب نظرا لصعوبة التفريق بين مهاجمة خدام كشخص انشق عن نظام بلده وبين مهاجمة المرحلة التي كان فيها واحدا من بين ثلاثة او اربعة اشخاص يحتلون الصدارة في ذلك النظام.

من دون شك سنتابع المزيد من ردود الافعال على الفعل الصاخب الذي قام به ذلك الرجل الذي كانت قنواته مفتوحة مع الرئيس الاسد الى ان غادر دمشق الى باريس فيما يشبه منفى اختياريا كي يكتب مذكراته التي يبدو أنه قصد بها غير الذي فهمه منه الرئيس السوري اي انها كتابة من النوع الذي شاهدناه على قناة العربية التي حققت مكسبا مهنيا توج بثها لعام 2005.

محاسبة السيد خدام وردود الفعل الصادرة من دمشق لن تغير من الواقع شيئا فالحقائق على ارض الواقع تقول لنا ان تلك التصريحات اضرت ضررا بالغا بسمعة الرئيس بشار الاسد ووضعت علامات استفهام وتعجب على مستقبل سوريا القريب خاصة اذا كانت هناك قوى دولية ستستغل ما ورد على لسانه للضغط على القيادة السورية بشأن التحقيق في اغتيال الحريري، هذا من دون ان نأخذ في الاعتبار الانعكاسات المتوقعة على الرئيس اللبناني اميل لحود وعلى الوضع اللبناني عامة، أي ان السنة الجديدة ستكون قاسية على سوريا التي نأمل ان تجد طريقها للخروج من هذا الموقف الصعب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات