«الحلال والحرام» بين الدين والسياسة ـ محمد صادق الحسيني

«الحلال والحرام» بين الدين والسياسة

ثمة كلام متزايد في أروقة السياسة والسياسيين عما بات يعرف بـ «خطر» الإسلاميين والأفكار الدينية والمتدينين على الديمقراطية والعمل الديمقراطي والممارسة السياسية أو ما بات يعرف بـ «العملية السياسية» في البلدان الرازحة تحت الاحتلال مثل العراق وفلسطين.

وكما يبدو في الظاهر فإن القلق بدأ يجتاح دوائر واسعة من النخب العلمانية سواء الحاكمة منها أو غير الحاكمة من هذا «الخطر» المزعوم.

وقد وصل ببعض دوائر صنع القرار العالمي كالكونغرس الأميركي مثلاً إلى التهديد بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية مثلاً وعزلها عن المجتمع الدولي إذا ما سمحت لمنظمة إسلامية مثل حماس بالمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية قبل نزع سلاحها وتجريدها من هويتها المقاومة والممانعة!

هذا فيما اتسعت دوائر المتخوفين و«القلقين» على مستقبل الديمقراطية والعمل الديمقراطي لتشمل أوساطاً وطنية عديدة في مختلف البلدان العربية مثلاً لا سيما في مصر تجاه ظاهرة صعود الإسلاميين وتحديدا «الاخوان المسلمين» في الانتخابات التشريعية المصرية الأخيرة.

لا بل إن «القلق» ذهب بالوزير التونسي للشؤون الدينية مثلاً إلى اعتبار «الحجاب ظاهرة نشاز ومستوردة وليست من الدين في شيء، وان التنوير كفيل باستئصالها من مجتمعاتنا»، كما ورد في تصريحات له مؤخراً نشرت على صفحات الإنترنت!

والقصة تعود جذورها الفكرية في الواقع إلى ذلك الزعم الشهير «بأن الدين أمر روحي وفردي يرتبط بعلاقة الفرد بربه ولا يحق للمتدينين أو الإسلاميين من السياسيين خاصة أن يزجوا به في بازار السياسة وعالم الحكم والدولة والدنيا»!

لكن التجربة المريرة التي مر بها «عالم التدين» عموماً و لا أريد أن أقول المتدينين فقط أو الإسلاميين الحركيين منهم أو غير الحركيين ـ أتباع الإسلام السياسي وأتباع الإسلام التقليدي ـ تثبت لأي مراقب أو محلل اجتماعي سياسي للوقائع التاريخية عبر أجيال متوالية لا سيما العقود الخمسة الأخيرة، بأن ثمة استباحة للشأن الديني.

وكل ما هو متعلق بأمور المتدينين من جانب العديد من الساسة والسياسيين دون رادع من أحد، بالإضافة إلى تقديم قراءة خاصة عن الدين غالباً ما تتلاءم مع حاجة الساسة والسلطات الحاسمة هنا أو هناك والاستعانة بـ «رجال دين» من الدرجة الأولى للترويج لمثل هذه القراءة واعتبارها «المذهب الرسمي» لهذه الدولة أو تلك والطلب من الناس الاقتداء بهذه المدرسة دون غيرها.

فيما يطلب بإلحاح من المواطنين والمتدينين ومن هم من المهتمين بالشأن العام منهم على الخصوص عدم الزج بالدين في عالم الممارسة السياسية فضلاً عن «تحريم» تشكيل الأحزاب الدينية و...!!!

ثم أخيراً فقد وصلت حالة الاستقطاب في بعض الحالات شديدة التوتر إلى طلب سياسيين ومسؤولين كبار هنا وهناك من العلماء ورجال الدين أن يبادروا إلى «تكفير» من سموهم بـ «التكفيريين»!!

ونحن إذ نسجل رأينا القاطع والصريح أولاً بخصوص الخطر الذي يمثله البعض من أبناء جلدتنا من دعاة تكفير الآخر وإلغائه واستئصاله، إلا أننا نعتقد صراحة بأن الحل لا يكمن مطلقاً بالوجه الآخر للعملة أي تكفير التكفيريين، لأنه سلاح أعمى لا ينتج سوى دورة عنف عمياء ليس فيها صلاح لأحد ولا إصلاح لشؤون العباد أو البلاد مطلقاً.

ولكن عودة إلى موضوعنا الأصلي ألا وهو العلاقة بين الدين والسياسة والسياسيين نقول بأنه إذا كان صحيحاً بأن جزءاً من «الدين» هو ذلك القسم المتعلق بعلاقة الفرد بربه، إلا أن جوانب عديدة أخرى من الدين خاصة لمن يعتقدون بأنه منظومة للحياة لا يمكن حصره بذلك الجانب الفردي والروحاني الخاص، فضلاً عن قطع أي رابطة بينه وبين الحياة العامة للناس المتدينين على الأقل فضلاً عن الناس أجمعين.

لكن المشكلة الأكبر تظل برأينا هي في سياسة الكيل بمكيالين من جانب أهل السياسة لا سيما العلمانيين منهم، فهم إذ يطالبون المتدينين بإلحاح بعدم إدخال «دينهم» بالسياسة، غير أنهم يحشرون أنوفهم «السياسية» بكل ما هو شأن ديني لدى الناس إلى درجة التحريض المباشر والصريح ضد شأن عبادي من شؤون المتدينين يتعلق بذلك القسم الخاص بين الفرد وربه كما يفترض، كما يفعل وزيرنا التونسي أو كما فعلت عاصمة «النور» والديمقراطية والحرية باريس مؤخراً.

ويبقى السؤال الكبير مفتوحاً: إذا كان المطلوب فصل الدين عن السياسة كما يعتقدون ويلحون ويطالبون، فهل هو مطلوب من طرف واحد على حساب الآخر؟ أم ينبغي أن يكون مطلوباً من الطرفين إن كان هناك طرفان أصلاً؟ أم أن ما هو حرام على «المتدينين» يصبح «حلالاً» على السياسيين لحاجة في نفس يعقوب الـ «الدين» ولكن على شاكلة هذه السلطة أو تلك؟

ثم لماذا يصبح رأي المؤمنين والمتدينين بهذا الشأن السياسي أو ذاك «تحريضاً» فيما يكون رأي السياسيين والمسؤولين في هذه السلطة أو تلك بهذا الشأن الديني أو ذاك مهما كان مستفزاً لقطاع الأغلبية من الناس ممن اعتادوا على هذه الممارسة الدينية أو تلك ليس فقط «حلالاً» عليهم بل واجباً حكومياً إن لم يفعلوه سيعاقبون عليه وإن قاموا به يثابون! أين العدل من كل هذا وذاك؟! ذلك ما لا يحب سماعه تجار السياسة والدين على حد سواء.

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات