المدافعون عن الطغاة ـ د.عبدالحميد الأنصاري

المدافعون عن الطغاة

من مآسي الحياة العربية أن الخطابين: السياسي والديني، وعلى امتداد نصف قرن من التثقيف الديني والسياسي، أنتجا ـ في النهاية ـ صنفين غير سويين من البشر: طغاة وإرهابيون، لكن الأكثر مأساوية وفاجعة أن يحظيا بتعاطف واسع وتأييد من قبل الجماهير والنخب المثقفة.

الإرهابيون وجدوا من يساندهم ويمولهم وينظّر لهم، وتبارت منابر دينية وإعلامية والكترونية في تسويغ عملياتهم الانتحارية والتفجيرية عبر المئات من (الفتاوى الدينية) التي مجدت ما يقوم به هؤلاء وعدته جهاداً واستشهاداً، بذريعة «المظلومية» الراهنة للمسلمين في فلسطين والعراق والشيشان والبوسنة وكشمير.

وهدّد بعض المشايخ، الغرب الصليبي، بأنهم إذا كانوا يملكون (القنابل الذرية) فإن المسلمين يملكون «القنابل البشرية الذرية» لقد اختطف بعض هؤلاء منابر بيوت الله التي جعلت للهداية والتسامح والقيم الجامعة الرفيعة، وحوّلوها منابر للتحريض والتغرير بالشباب، دفعوا الشباب للجهاد في العراق ومنّوهم بنساء الجنة وقعدوا هم هنا يستمتعون بنساء الدنيا مثنى وثلاث.

لقد جرّمت (قمة مكة) فتاوى التحريض ورفضت كل المبررات للعمل الإرهابي، فهل يفعل العرب والمسلمون توصيات القمة عبر تشريعات صريحة وحازمة تعاقب المبررين والمحرضين وفتاوى التكفير؟

لكن الإرهابيين ليسوا وحدهم أهل الحظوة في الساحة المجتمعية، فالطغاة من القادة المستبدين هم الأكثر حظوة، هؤلاء يجدون جماهير عريضة تهتف بحياتهم وتسير وراءهم ولو قادوهم للهزيمة والدمار!

بل وحتى بعد مماتهم، وهناك من النخبة السياسية من يمجد أفعالهم وتاريخهم، ولا يزال هناك من يطل علينا عبر القنوات الفضائية مبرراً ومدافعاً عن أسوأ حقبة في تاريخ العرب المعاصر (حقبة الهزيمة والإذلال) حقبة استباحة كرامة المواطن العربي في سجون ومعتقلات المؤسسة العسكرية العربية، حقبة النظم الثورية المتسلطة والتي أذلت الإنسان العربي وخرّبت نفسيته وداست كرامته.

ويتقمص هؤلاء دور الراوي الحكواتي يلوون عنق الحقيقة ويزيف الوقائع ويتقولون على الأموات ويوهمون الناس بوثائق يأتيها الباطل وتُشَرْعِن للطغيان، لا يقولون لنا شيئاً عن انتهاك الحريات ولا حقوق الإنسان ولا أي شيء عن آلاف البشر الذين ذهبوا وراء الشمس.. ترى بأي ذنب قتلوا؟!

الطغاة عند العرب محظوظون أحياء وأمواتاً وفي حالة تسلطهم على شعوبهم وحالة انكسارهم وهزيمتهم.. والعرب ـ وحدهم ـ دون سائر الأمم يعشقون طغاتهم المهزومين لا لشيء إلا نكاية في الآخرين كما قالوا قديماً: لا حباً في معاوية ولكن نكاية في علي. وإلا.. هل من تفسير لخروج متظاهرين يهتفون بالروح وبالدم فداء لطاغية العراق؟!

قد يقال ان الجماهير تقودها مشاعرها العاطفية المتعلقة بمن تعتقده بطلاً قومياً في خيالها البسيط، حسناً، كيف نفسّر ظاهرة (رجال القانون) المتكالبين على خدمة الطاغية؟! كيف انقلب من نذر نفسه دفاعاً عن المظلوم الضحية إلى مدافع عن الظالم الجلاد؟!

بعض المحامين العرب صمتوا دهراً عن «المقابر الجماعية» و«الإبادة البشرية» و«استباحة كرامة المواطن في سجون النظم الثورية» ـ نصف قرن ـ ثم أفاقوا فجأة ـ في حالة هيسترية ـ دفاعاً عن «القائد الضرورة»!! ما سر هذه الظاهرة في حياة العرب؟!

(ظاهرة الإعجاب بالدكتاتور) بالأمس القريب، بعد مرور (4) أيام من حرب العراق قام أحد المشايخ ممتدحاً ومعظماً صدام ومبشراً بانتصاره وبأنه سيعيد للأمة الخلافة الراشدة تحت قيادته!! ترى ماذا يقول الآن؟!

لا تفسير لديّ لهذه الحالة سواء لدى المحامين عن صدام أو الجمهور المتعاطف معه إلا أن مجتمعاتنا، فقدت (المناعة) ضد جرثومة الاستبداد التي عششت في الرحم الايديولوجي لمبدأ الطاعة الذي تحول في تراثنا (فضيلة الفضائل) كما يقول تركي الربيعو ـ الحياة 17/4 ـ إنها ثقافة الرضا بالطغيان، وثقافة الصبر عليه كما يقول الرميحي وقد تم ترسيخها في البنية المجتمعية عبر مفاصل رئيسية حاكمة:

التربية، التعليم، الإعلام، الخطاب الديني، الثقافة السياسية، وأفرزت في النهاية بشراً لا يحسنون شيئاً غير الهتاف للظالمين. يبدي المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري قلقاً عميقاً من استشراء هذه الظاهرة ـ ظاهرة انقياد الشارع وراء البطل المهزوم ـ لجهة وعي الجماهير ومدى قدرتها على أخذ زمام مصيرها بيدها.

وهي الظاهرة نفسها التي استرعت انتباه المستعرب الياباني (نوتوهارا) في كتابه العرب: وجهة نظر يابانية، فتساءل بحسرة: لماذا يتعلق العرب بزعمائهم إلى هذه الدرجة؟!

ولعل هذا ما دفع المخرج العالمي مصطفى العقاد ـ رحمه الله ـ للقول بأن أوضاع العالم العربي في ظل الاحتلال الأجنبي أفضل كثيراً من الاحتلال الوطني ـ القاهرة 4/11/2003 ـ فالأجنبي يجد من ثقافته وازعاً يمنعه من الطغيان لكن الوطني يجد من يشجعه على الطغيان!!

الاستبداد العربي، إرث طويل تمتد جذوره إلى بدايات تحول حكم الشورى إلى حكم الفرد ليمتد إلينا طوال نحو (14) قرناً، كان (الاستبداد) هو القاعدة وأما «العدل» فومضات مضيئة في ليل طويل، كانت الأمة مغيبة، والفرد مهمشاً لا حول له ولا طول.

والشورى محجوبة. وكانت هناك ـ دائماً ـ لدى النخب السياسية والدينية، تلك النظرة المستريبة المتوجسة تجاه أصوات المعارضة باعتبارها مروقاً وخروجاً على الشرعية والطاعة، وكانت هناك ـ دائماً ـ تلك النظرة المحتقرة للجماهير ـ دوراً ومكانة ـ في الحياة العامة باعتبارها (عامة) و(سوقة) و(رعاع) و(دهماء) ما اجتمعوا إلا ضروا، تحكمهم «الأهواء» وتتجاذبهم «الفتن» وهم بحاجة مستمرة إلى وصاية.

لقد كان «الاستبداد» تاريخياً، جزءاً من الواقع المعاش للعربي، يتقبله كما يتقبل طبيعياً حقائق الحياة، ولم يكن يمثل «نقيصة» بل هو «حزم» مطلوب، ينسجم مع التصور التاريخي التراثي لفن الحكم ـ ومن لا يظلم الناس يظلم ـ طبقاً لشاعر العرب الأكبر.

ولهذا يعلل (أحمد شهاب) استمرار الاستبداد المعاصر وفشل تجارب الحرية بأننا لا نزال نرفض الاعتراف بأن تاريخنا مبتلى بالاستبداد والمستبدين بل نحاول جاهدين أن نلتمس لهم الأعذار ـ القبس 13/5.

وإذا كان «الاستبداد» حزماً مطلوباً في تاريخنا وتراثنا، فلا عجب أن يصبح الدفاع عن الطغاة مصدراً للفخر والتباهي في الساحة الجماهيرية!!

كاتب قطري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات