وقفة عند البيان الختامي للمؤتمر الإسلامي ـ د. سيّار الجميل

وقفة عند البيان الختامي للمؤتمر الإسلامي

أصدر مؤتمر القمة الإسلامية للدورة الثالثة الاستثنائية يومي 5 و6 ذو القعدة 1426هـ الموافق 7 و 8 ديسمبر 2005م بيانه الختامي في مكة المكرمة والذي تلاه الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي..

ومن خصوصيات «المؤتمر» انعقاده في مكة المكرمة ومعاني ذلك كبيرة، كما لاحظت أن لغة جديدة لم نألفها من قبل.. وبالرغم من كون ما حفل به البيان الختامي من تمنيات ودعوات وتضامنيات.. من دون اي برامج او خطط إلا أن البيان يفتح الباب خطوة خطوة أمام التغيير والإصلاحات التي باتت ضرورة ماسة.

يأتي المؤتمر في مرحلة صعبة من حياة عالمنا الإسلامي قاطبة خصوصا وان تحدياته الصعبة لم تأت من خارجه فحسب، بل تأتي من دواخل حصونه عندما تستغل عقيدتنا السمحاء وتصبح مشروعا لسفك الدماء .

وقتل الأبرياء كما يزعم المارقون بضلالهم من الغلاة والمتطرفين والتكفيريين الذين اضروا مجتمعاتنا ودولنا ضررا كبيرا ومشوّهين سمعتنا في المجتمع الدولي.. وهذا لا يمكن له ان ينبت بأرض خصبة بروح التسامح ونشر الاعتدال والوسطية وفلسفة التعايش التي عاشت عليها مجتمعاتنا طوال قرون مضت.

إن المسلمين قاطبة يتطلعون إلى تحقيق تجليات الإسلام السامية والى ترسيخ لما يمنع الظلم والقهر والمآسي وان يزرع الوسطية التي تجسد سماحة الإسلام والى ولادة عباقرة مبدعين ومخترعين وصناعيين مسلمين والى تأسيس حياة متمدنة.

دعوني أتوقف قليلا عند الجانب الفكري الذي اعتبره ابرز منحى نادى به المؤتمرون وهو ما يهم الجميع. لقد جاء في البيان الختامي:

«إن الأمة الإسلامية لم يعد بمقدورها أن تنكر ان الأسباب الكامنة وراء الظروف المزرية التي تعيشها اليوم يجب التصدي لها ومعالجتها معالجه شمولية من خلال بناء القدرات وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام».

وإنني أسأل: من يتحمّل مسؤولية التنكر للأسباب الكامنة التي تبلورت عنها الظروف المزرية ؟ وكيف يتم معالجتها معالجة شمولية من خلال بناء القدرات وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام ؟

نحن ننتظر جملة هائلة من الآليات التي لا يمكن تطبيقها من دون العمل على إعادة التفكير بالذهنية المغلقة التي لا تريد فهم روح العصر ومستحدثاته وتوائم بينها وبين ركائز الحياة الإسلامية تخلصّا من التناقضات التي تفجّر الإرهاب.

وإذا كان الأخ البروفيسور أكمل الدين إحسان اوغلو أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي قد دعا إلى ما يمكن تحقيقه من مكانة لائقة للمنظمة على الساحة الدولية آخذا في الحسبان التطورات الهائلة في النظام العالمي .

وضرورة التخطيط الاستراتيجي لمواكبة هذه التطورات بالطرق التي تحفظ للعالم الإسلامي مصالحه العليا وتمكن الأمة من المحافظة على هويتها وحضارتها وقيمها الإنسانية والسامية باعتبارها عوامل أساسية في تماسك نسيج المجتمعات المسلمة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي لها..

فإن ما يمكن التأكيد عليه هو كيفية تحويل هذه الأمنيات إلى برامج عمل واقعية، إذ إننا لا يمكننا ان نطلق الشعارات والنشائيات من دون ان يخرج المؤتمر بقياداته الكريمة والذي يمثّل عالما جغرافيا كبيرا.

ويزيد سكانه على المليار من البشر وهو يشغل عالم الجنوب إزاء عالم الشمال من دون الاتفاق على برامج عملية لترجمة الأمنيات إلى مصالح حقيقية في أهم ما يحتاجه هذا العالم منه.

ان برنامج العمل العشري لا يكفي تبنّيه عموما ليواجه تحديات الأمة الإسلامية في القرن الواحد والعشرين إلا من خلال ترجمته إلى أفعال.. إننا لا يكفي ان نسمع في المجال الفكري تأكيد المؤتمر بأن الإسلام هو دين الوسطية ورفض الغلو والتطرف والانغلاق والتصدي للفكر المنحرف بكافة الوسائل المتاحة.

ولا يكفي أن نبقى جميعا ننادي بتطوير المناهج الدراسية.. إلخ من دون أن تبدأ دول العالم الإسلامي بالانفتاح على العالم وثقافاته وفولكلورياته وتربوياته وإعلامياته ومناهجه وأساليب معارفه وعلومه..

وان يجّمد العمل بمناهج دراسية لم تزل ترسّخ في أذهان أطفالنا كل قيم الغلو والكراهية والأحقاد ! ثم كيف يمكننا ان نعقد حوارا حقيقيا مع حضارات وثقافات أخرى ولم تزل اغلب الإعلاميات العربية لا تبث إلا الخصوصيات ولا تدعو إلا إلى الانغلاق !

لقد كان أجدادنا الأوائل قبل مئات السنين أكثر قدرة وحرية في التفكير واستخدام كل أدوات الاختلاف من دون ان يكفرهّم احد فنضج العالم الإسلامي وتطورت علومه وفلسفاته وآدابه وترجماته وغدا صاحب أرقى ثقافة وأسمى حضارة. ان «مكافحة التطرف المستتر بالدين والمذهب وعدم تكفير المذاهب الإسلامية .

وتعميق الحوار بينها من اجل تعزيز الاعتدال والوسطية والتسامح» لا يمكن أن يبقى حبرا على ورق ما لم يترجم إلى أفعال.. ولا يمكن فقط التنديد بالجرأة على الفتوى ممن ليس أهلاً لها.. بل لابد من تأسيس متغّيرات تؤسس لتقاليد فكرية جديدة لا تمّس العقيدة السامية .

ولكنها تفسح المجال للتفكير وإبداء الرأي واحترام كافة المذاهب من دون استئصال أي مذهب، بل والأكثر من ذلك فإن المؤتمر ان كان قد أكد على أهمية إصلاح مجمع الفقه الإسلامي ليكون مرجعية فقهية للأمة جمعاء، فإن الضرورة تقضي بضرورة فتح باب الاجتهاد، فالاجتهاد ضرورة لحياتنا ومستقبل أجيالنا.

وأخيرا، هناك ثلاث قضايا كبرى وأساسية تواجه عالمنا الإسلامي وهي بحاجة إلى زعمائه لتدبيرها:

أولاً: مسألة تحسين حياة الإنسان وأدوات الوعي عنده فضلا عن ظروف عيشه.

ثانياً: تأسيس ثوابت أخلاقية في المجال الإعلامي، إذ لابد من شمول الإعلاميات العربية والإسلامية بالتوازن واستعادة الروح الحضارية والمدنية بدل ما يحدث اليوم في عالمنا من زرع للكراهية وتأجيج للأحقاد ونشر مشروعات القتل.

ثالثا: لا يمكن المضي بالدعوة إلى ما اسمي بحوار الحضارات من طرف واحد، اذ لابد من تأهيل الآليات والظروف والكفاءات التي تضمن للآخر ان يدخل معنا في حوار من اجل ان يفهمنا ونفهمه..

إذ ليس من السهولة إجراء أي «حوار» مع الآخر بالأدوات التي نحملها تتوافق والرؤية الإنسانية للإسلام وان نؤسس لأدوار حضارية واستعادة هيبة العرب والمسلمين في المجتمع الدولي. هذا ما نتطّلع لحدوثه منذ هذه البدايات في القرن الواحد والعشرين.

مؤرخ عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات