نصائح شيطانية من محـارب قديم..

نصائح شيطانية من محـارب قديم..

الإدارة الأميركية مشدودة حالياً بين نزعتين شبه متعارضتين. هي من ناحية لم تعد تصر على إخفاء معالم أزمتها مع اليوم التالي لغزو العراق واحتلاله، لكنها من ناحية أخرى ليست بوارد الاعتراف بخطيئتها الأولى في الأخذ بناصية المسألة العراقية نحو التعقيد والفشل في معالجتها. والحال كذلك تبدو إدارة بوش الابن ــ والموالون لها في الداخل والخارج ـــ وكأنها تريد أكل الكعكة والاحتفاظ بها في وقت واحد !.

هذه معادلة مستحيلة التحقق في غير عالم الخيال.. بيد أن ملفين ليرد وزير الدفاع الأميركي إبان نهايات الحرب الفيتنامية (1969 ـــ 1973) له رأي آخر.. فهو كممارس سابق خبير بشؤون السياسة والحرب العدوانية، خرج عن صمته دهراً بمقال نشرته دورية »فورين أفيرز« واسعة الانتشار.

والنفوذ لدى دوائر صنع القرار الأميركية (عدد نوفمبر ـــ ديسمبر 2005)، يتصور فيه أن إدارة بوش يمكنها في المثل العراقي تلافي أكبر أسباب الهزيمة المريرة في فيتنام، التي كانت بنظره: التأخر في فتنمة الصراع بالانسحاب من الجنوب وتركه يعارك الشمال مع إسناده عن بعد، والإفراط في استخدام الدم الأميركي.

والتخلي عن الحلفاء في فيتنام الجنوبية بعد تخفيف المساهمة العسكرية الأميركية، وعدم العناية بحجب أخبار الخسائر الأميركية على نحو يحول دون الانهيار المعنوي للقوات في الميدان ولذويهم في الداخل الأميركي، وإهمال مشاركة الحلفاء الدوليين مثل الناتو ..

ويعتني ليرد بقضية الدعم السوفييتي السابق للشمال الفيتنامي »المتمرد« الذي ما كان مقطوعاً ولا ممنوعاً، مقابل خيانة واشنطن لحلفائها الجنوبيين، ما جعل الأخيرة موضع اتهام بالغدر وقصر النفس في مؤازرة محازبيها على الصعيد العالمي. وهو يحذر من تكرار هذه القضية في النموذج العراقي.

بمثل هذه الوصايا يظهر ليرد قطيعته مع عالم ما بعد فيتنام وما بعد الحرب الباردة فالمسؤول الأميركي السابق لا ينتبه إلى الفوارق المذهلة في البيئة الدولية والسياقات الاستراتيجية والإيديولوجية والمتغيرات الإعلامية، التي تفصل بين زمني فيتنام والعراق.

وكان عليه قبل المقارنة وخلالها أن يعي لكثير مما لا يتعين على محلل إغفاله بين يدي مواعظه. فمثلاً أين هو الحليف الدولي العتيد لما يصفه بالتمرد في العراق ؟.

وكيف يوازي قوة العملاق السوفييتي في إسناد شمال فيتنام (ناهيك عن دور المنظومة الاشتراكية يومذاك ودول العالم الثالث والأحزاب التقدمية في كل جهات الدنيا)، بقوة الجماعات والفلول التي يقال إنها تظاهر »متمردي« العراق اليوم ؟.

ألا يعلم ليرد ومدرسته، أن »المقاومين أو المتمردين« في العراق يكادون أن يتفردوا عبر تاريخ الاستعمار والتحرير، وتقاليد ثنائية الاحتلال والمقاومة، بظاهرة انعدام الظهير الدولي أو الخارجي، أقله بشكل معلن ومفتوح ؟!

. أين هي الدولة التي جاهرت بتأييد »متمردي العراق« ضد الاحتلال الأنجلو أميركي، دون الحديث عن إمدادهم بالعتاد والسلاح والتغطية السياسية والقانونية على غرار ما جرى وكان مع فيتنام الشمالية ؟.

الحال، أن المسافة التي يتخذها البعض من التغلغل الأميركي في العراق، لا تعود إلى الخوف من غدر واشنطن بحلفائها، وإنما إلى أنها أقدمت على حرب افتعلتها بلا مبررات معقولة أو مقبولة وثبت زيفها سريعاً.

هذا على حين كان الصراع والتكاسر الإيديولوجي وتوابعه بين المعسكرين الجبارين الاشتراكي والرأسمالي، ذريعة مطروحة وسهلة التداول في دنيا العلاقات الدولية وقت الحرب الفيتنامية.

ويتجلى انتماء ليرد ومن على طريقته في المناخ الفكري والحركي الأميركي إلى عقلية أهل الكهف، من تناولهم لدور الإعلام في تثبيط همم المحاربين وأهلهم وسواد مواطنيهم.. إذ يريد هؤلاء أن يساهم إعلام عصر الفضائيات وقنوات البث المفتوحة »على الهواء« في تخبئة ما لم يفلح إعلام ستينات القرن الماضي وسبعيناته في مداراته والتعمية عليه ..

ومع أن هذا المقترح ينطوي على مجافاة للواقع ومفارقة للممكن، إلا أن المرء يعثر على أصداء له في السياسة العملية للإدارة الأميركية الراهنة.ومن ذلك تخصيص مال ووقت وجهد من أجل تحسين صورة الولايات المتحدة .

وتجميل ما يصعب تجميله من تصرفاتها على الصعيد العراقي وكذا بالنسبة للرحاب العربية أو الشرق أوسطية. وبهذا ترمي واشنطن إلى استمالة الأفئدة والأذهان بالأقوال والتعبئة الدعائية بغض النظر عن سلوكها المنظور .. والمعاكس!.

عموماً لو كنا بصدد نخبة حاكمة أميركية تستهدي بالحكمة والموعظة الحسنة، لما تخوفنا وثارت شجوننا من مداخلات ليرد. لكننا والخلق أجمعين نتعامل مع نخبة رؤيوية مهجوسة باستخدام القوة العارية، نادرة الاكتراث والعناية بشؤون القانون وحكمة التاريخ.

لا حدود لغرورها، علاوة على افتقارها للرادع الخارجي القادر على كبح جماحها. ومثل هذه الخصائص تناسب خطاب ملفين ليرد وتجعل لمحتواه مريدين في أعلى مستويات المسؤولية واتخاذ القرار.

ولعل أكثر ما يستوجب الحذر في مشهد كهذا، أن تتبنى هذه النخبة التوصية الخاصة بضرورة التعجيل بـ »عرقنة« الحرب في بلاد الرافدين، استدراكاً لخطأ التأخر في فتنمة الحرب الفيتنامية ذات حين.

هناك بالفعل ما يوحي باقتناع إدارة بوش بالانسحاب تدريجياً من نقاط العراق الساخنة، بعد تقوية القطاعات الموالية وتكريسها في مواجهة الجماعات »المتمردة« ليصبح الاقتتال عراقياً بحتاً.

ويجري تعقيد هذا الفرز على خلفية قومية (عرب ضد كرد) ومذهبية (شيعة ضد سنة) وإقليمية قبلية (شمال ضد وسط وجنوب أو وسط ضد شمال وجنوب وهكذا) واقتصادية (مناطق غنية نفطياً وأخرى فقيرة وصحراوية) .

ولأن العامل الأميركي سيظل مسيطراً عن بعد على سيرورة هذا التنافر والتدافع الأهلي، متحكماً في موازين القوى بين أطرافه، بدون إراقة دماء أميركية، فإن واشنطن ستمسي قادرة على أكل الكعكة والاحتفاظ بها.

أي أنها ستدير العراق وتحتله واقعياً فيما قواتها بمنأى عن الخسائر البشرية. وسوف يتكفل تحكمها في موارد العراق النفطية، عبر القطاعات التابعة لها، في تمويل هذه الحرب.

إذا وجد هذا السيناريو اللعين طريقه إلى التطبيق على الأرض فسوف تعتبر إدارة بوش أنها انتصرت في حربها العراقية. وهذا هو على الأرجح المقصود بتوجه بوش إلى ما يدعوه استراتيجية للنصر وليس للانسحاب (المدحور). وتقديرنا أن إحباط عرقنة الحرب وفقاً لتوجيهات ملفين ليرد وقدامى المحاربين في فيتنام، يمثل فرض عين على العراقيين جميعاً، لا سيما قواهم السياسية.

ويصدق التقدير ذاته وزيادة بالنسبة لدور المحيط الإقليمي العربي بقضه وقضيضه. ذلك أن شواظ الفتنة الأهلية في العراق ستطال بلهيبها مشارق هذا المحيط ومغاربه، ولن تفلح في اتقاء شرورها على الخريطة الاجتماعية السياسية، التكتيكات الهروبية تحت الشعار البائس »لينجو كله بجلده«!.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات