شذر مذر

سمبوسة الفراعنة

يحقّ للمرء القول، وبفم ملآن سخرية، ان الفراعنة أكثر المخلوقات فراغاً من المعنى: استعبدوا الناس من أجل بناء بضعة أهرامات أو «سمبوسة» مثلثة الشكل عظيمة الحجم ليناموا تحتها قريري الأعين.

ليضحك العالم كلما نبش علماء الآثار قبورهم وليشكروا الله الذي بدّل قرارة أعينهم «بهدلة» بين فرشاة تمسح ومقصّ يقصّ وسكين تقطّع وأشعة ليزر تخترق وأيدي لصوص وعلماء تبيع وتتبادل وأخيراً فاترين زجاجي يُعرضون فيه كأنهم ملابس نسائية.

وليحمدوا الله حمداً دائماً أن بعث في العالمين أناساً لا همّ لهم إلا الفراعنة: يكتبون فيهم التقارير تلو التقارير، ويصفون خزعبلاتهم ومشكلاتهم الأسرية وخياناتهم الزوجية وفراغ رؤوسهم وتفاهة أعمالهم.

وبرغم أن عهودهم شهدت أولى الحضارات وعدداً من العلوم، لكنها لا تساوي يد عبد مسكين كُسرت وهو يحمل الصخور، أو كتف آخر انخلع بينما ينقل الأحجار، أو ثالثاً هوى من قمة الهرم ميتاً، أو رابعاً تضرّج بدمائه من قسوة السياط.

مع ملاحظة أنهم ما فعلوا شيئاً لسواد عيون البشرية، فقد أخفوا جلّ أسرار علومهم، فلا أحد يعرف سرّ التحنيط، ولا أي شيء عن علم الفلك الذي برعوا فيه، ولا كيفية حفظ الأشياء كالعسل الذي وُجد صافياً.

لأي شيء يقف الناس على آثارهم؟ لو كان بعنوان الاعتبار بحال الغابرين والنظر بحسرة إلى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، فمثل هذا الوقوف يستحق أن يقطع الناس في سبيله آلاف الأميال وآلاف الجنيهات، أما أي سبب آخر، فهو باعث على الرثاء.

لأي شيء استعبد خوفو ورع وخفرع ومنقرع الناس؟ ألم يكونوا بشراً مثلهم؟ لعلّهم صدّقوا الدور ومثّلوه بإتقان رغم أنه لم يكن يميّزهم عن عبيدهم سوى التيجان والعروش والأثواب وباقي التفاهات التي تحيط ببعض البشر فيظنون أنفسهم آلهة وما هم إلا عالون في الأرض ومسرفون.

وقد خرج إلى الناس في زماننا هذا باحث فرنسي زاعماً أن الفراعنة لم يستعينوا بعبيد في البناء لوجود ضوابط قانونية لحماية المهنيين الذين كانت تجمعهم رابطة أقرب إلى النقابات المهنية وكانوا يحظون بالرعاية من خلال بنود قانونية لحمايتهم من التعسّف وسوء استغلال السلطة. وهو قول شاذ لم يقل به سوى واحد في مقابل المئات من الأقوال المضادة، ويكفي أن أحد الفراعنة ادعى الألوهية وقال للملأ: «ما علِمتُ من إلهٍ غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلّي أطّلع إلى إله موسى وإني لأظنّه من الكاذبين».

ولعمري لا يوجد كذاب أسوأ من فرعون الذي سخر إبليس منه ومن دعواه في رواية تقول انه طرق باب فرعون، فسأل فرعون عن الطارق، فأخرج إبليس الريح من بطنه وقال هذا في لحية إله لا يعرف من يطرق بابه.

الحق أن العبيد هم الذي يستحقون الوقوف على قبورهم، وهم الذين يستحقون بناء تمثال رمزي بحجم أبو الهول يقف أمامه ندّاً بند، ليعرف الناس، وعلى مرّ العصور، أن مقابل كل هرم وكل أبو هول وكل تفاهة إنسانية أخرى، هنالك آلاف المسحوقين والمحنّطين.

ahmedamiri74@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات