خط مباشر ـ منظمة «التنسيق» الفلسطينية! ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 هل بلغت منظمة التحرير الفلسطينية تاريخ انتهاء صلاحيتها كقاطرة للنضال الوطني الفلسطيني؟ هذا هو السؤال الأكبر الذي توحي به استقالة صائب عريقات كبير المفاوضين في السلطة الفلسطينية. فقد استقال عريقات قبل يوم واحد من انعقاد لقاء لرئيس الوزراء محمود أبو مازن مع رئيس الحكومة الإسرائيلية ارييل شارون.. ولم يشأ أبو مازن ان يكون كبير المفاوضين أحد أعضاء وفده إلى اللقاء. لقد ذهب أبو مازن إلى هذا اللقاء لا من اجل تفاوض سياسي وانما من اجل التوصل مع شارون إلى ترتيبات أمنية صرفة تتعلق بوضع خطة تنسيق مشتركة في اطار القضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة. في لقاء كهذا لا يحتاج أبومازن، الذي يعتبر ان واجبه الأول والأخير هو وضع نهاية للانتفاضة المسلحة، الى شخصية سياسية بقدر ما يحتاج إلى شخصية أمنية مثل محمد دحلان الذي تدرب أمنياً في الولايات المتحدة على ايدي خبراء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. ان ما تريده حكومة أبو مازن لنفسها هو ما يراد لها اسرائيلياً واميركياً كامتداد للآلية الامنية الإسرائيلية.. وهذا أحدث انحدار لمنظمة التحرير الفلسطينية التقليدية التي انبثقت منها هذه الحكومة مما يجعل الفلسطيني العادي يتساءل عما اذا كانت المنظمة قد تجاوزها الزمن. «أوسلو» كانت «الانجاز» الاكبر الذي راهنت عليه قيادة منظمة التحرير.. وبالتالي خاطرت بوجودها ومكانتها النضالية الشعبية. لكن المقاومة المسلحة التي اندلعت قبل نحو عامين ونصف العام كانت موجهة ضد الاوضاع الفلسطينية التي احدثتها اوسلو بتداعياتها السالبة وتراكمات هذه التداعيات. وبهذا المفهوم كان على منظمة التحرير ان تستقيل من التاريخ لتفسح المجال لعهد نضالي جديد لا مكان لها فيه. لكنها مع تشبث قيادتها التقليدية بالسلطة والمنصب لم تنعزل عن الشارع الفلسطيني فحسب بل أصبحت اكبر عائق في طريق من يريدون مواصلة النضال بأسلوب مستحدث. وليس الحديث هنا عن فارق سياسي بين عرفات وأبو مازن.. فهذان القياديان اللذان ينتميان كلاهما الى الطاقم التقليدي محبوسان داخل صراع شخصي. فالفارق في الرؤية السياسية لكل منهما يكاد يكون صفرا. كلاهما يعتبران استرضاء ـ ان لم نقل استجداء ـ الولايات المتحدة هو المفتاح الأوحد لنيل الحقوق المصيرية للشعب الفلسطيني. وكلاهما اذن لا يقيم للكفاح الشعبي المسلح وزنا. لكن ربما يصح القول ان أبا مازن اكثر انصياعاً لواشنطن. لقد مضى الآن على اتفاق اوسلو نحو عشر سنوات. وطوال هذا العقد ليس هناك انجاز واحد يمكن ان تتباهى به منظمة التحرير الفلسطينية سوى أنها ظلت تتحرش بالناشطين الوطنيين في اطار ترتيبات تنسيق امني مع الأجهزة الإسرائيلية. وكانت النتيجة ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة كسبت الوقت لمضاعفة بناء المستوطنات اليهودية بأكثر من خمسة اضعاف وما يتبع ذلك من بناء طرق التفافية تعزل المدن والقرى الفلسطينية في الأرض المحتلة عن بعضها البعض بحيث أصبحت مدن وقرى الضفة كجزر صغيرة وسط محيط يهودي. هذا وحده كان كافياً لكي تخرج منظمة التحرير طوعاً من مجرى التاريخ اعترافاً بفشل مخاطرة رهانية نفذت في لقاءات سرية في اوسلو. ان عدم تنحي منظمة التحرير وقياداتها مع تصاعد شعبية اليمين الإسرائيلي المتعصب يمثل اعظم خطر على مستقبل النضال الشعبي الفلسطيني، ومع تسلم ابو مازن ومعه دحلان قيادة السلطة فان الخطر بلغ ذروته. ها هنا يمين اسرائيلي متطرف يرفض أي مساومة تفاوضية مع الفلسطينيين انطلاقاً من أجندة «توراتية» متعصبة، بل ويرفض التفاوض السياسي من حيث المبدأ.. فهو لا يقبل إلا بما يسمى «تنسيقاً أمنياً» على طريق قمع أي مقاومة شعبية فلسطينية دون هوادة. وها هنا على جانب آخر قيادة سلطوية فلسطينية تهدف للقضاء على فصائل المقاومة على أساس مبدأ «التنسيق الأمني». ان من المستحيل تصور وضع أخطر من هذا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات