استراحة البيان ـ لو كنا أقوياء ! ـ يكتبها اليوم: عماد الدين حسين

الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 قبل ثلاثة ايام طلبت الهيئة الاميركية الدولية للحريات الدينية من السلطات الاميركية الضغط على المملكة العربية السعودية لكي تلغي «هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر» وان تغير مناهجها التعليمية خاصة الدينية. هذه الهيئة الاميركية مشكّلة حديثاً ورغم انها ليست حكومية تماماً الا انها شبه رسمية، وتقاريرها وتوصياتها شبه ملزمة للحكومة الاميركية، ومنذ تأسيسها ولا شاغل لديها سوى استهداف الدول الاسلامية بسهام النقد والاتهامات، حيث دست انفها في صراع بين عائلتين بقرية الكشح بصعيد مصر منصبة نفسها حامياً للمسيحيين، كما ان توصياتها تحولت الى مطالب في اجندة الحكومة الاميركية فيما يتعلق بالسودان وكيفية انجاز التسوية بين الحكومة ومتمردي الجنوب على الطريقة الاميركية، وتم ربط اي معونة اميركية مقدمة الى السودان بمدى استجابته لتوصيات ومطالب هذه الهيئة. تقرير الهيئة الاخير قبل يومين طال ايضاً افغانستان رغم انها شبه محمية اميركية، والتهمة الجاهزة المسلطة من قبل هذه الهيئة ضد كل الدول الاسلامية هي ممارسة الاضطهاد الديني ضد الاقليات غير المسلمة. والسؤال الآن من الذي اعطى هذه الهيئة الاميركية الحق في تحديد صحيح الدين لهذه الدولة او تلك؟ المؤكد انه جنون القوة المطبق فقط لانه ببساطة لو كنا نحن العرب والمسلمين نملك القوة والارادة لقلنا لهذه الهيئة وغيرها: شكراً نرفض تدخلكم في شئوننا، ولحركنا جيوشنا واساطيلنا مطالبين اميركا باحترام المسلمين هناك وعدم معاملتهم بالاساليب العنصرية التي تتم ضد كثير منهم الان فقط لمجرد انهم عرب او مسلمون، وكل شخص منهم متهم حتى يثبت العكس! لو كنا نملك القوة ايضاً لرفضنا المطالب الاميركية والصهيونية التي تطالبنا بتغيير مناهجنا، صحيح اننا نحتاج لتغيير هذه المناهج كي تصبح اكثر ملاءمة للتطورات وللعصر ولكن ليس على الطريقة الاميركية. لو كنا نملك القوة والارادة، لطالبنا اميركا بتغيير مناهجها والصورة النمطية في وسائل اعلامها والتي تصور العربي او المسلم في صورة ثابتة لا تتغير، باعتباره الشخص الاشعث المتجهم حامل الرشاس المستهدف قتل كل الناس، او صورة البدوي مع الجمل والذي لا يعرف كيفية انفاق نقوده سوى على الملذات!! لو كنا اقوياء لطالبنا واشنطن ان تأمر «دلوعتها» اسرائيل بتغيير مناهجها التي ما زالت تروج خرافة شعب الله المختار، وانهم «ابناء الله» وممثلوه على الارض، وكل ما عداهم اغيار لا يصلحون لشيء سوى كونهم عبيداً لليهود، او ان تغير صورة العربي لدى اليهود باعتبار ان «العربي الطيب هو العربي الميت». لو كان هناك عدل في هذا العالم واعتبار للمبادئ لتدخل كل العالم منذ عشرات السنين ليجبر اسرائيل على وقف اضطهادها للعرب والمسلمين، بل ان هذا الاضطهاد المبني على اسس دينية لا يتوقف على العرب والمسلمين فقط بل يطال طوائف يهودية شاء حظها التعس الا تكون من «الاشكنازي» او طبقة اليهود ذوي الاصول الغربية، وهكذا رأينا هذه الطبقة تضطهد يهوداً من السفارديم الشرقيين والفلاشا الاثيوبيين! دون ان تتحدث هيئة اميركية او اوروبية عن اضطهاد ديني. لدينا كعرب ومسلمين ملايين الاسئلة وعلامات الاستفهام عن رؤية الغرب لديننا، لكننا لا نملك القوة، كي نسألهم او نناقشهم. نعرف وندرك تماماً ان العالم المعاصر لا يسير طبقا للمبادئ والحقوق، بل على اساس ما يحدث داخل الغابة ومنطق البلطجة والقوة الغاشمة. نعم نحن نحتاج اصلاحاً دينياً، لكن ليس على الطريقة الاميركية، ومعروف لغالبيتنا اننا نعاني بالفعل من حالة تخلف شديدة في العديد من المجالات، ومنها التجديد او الاصلاح الديني او ما يمكن تسميته بالاجتهاد الحقيقي الذي توقف منذ مئات السنين. مطالب الاصلاح ليست جديدة وفي العصور الحديثة فقط كانت على رأس قائمة اولويات كبار مفكرينا وعلمائنا من جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا الى حسن حنفي ومحمد عابد الجابري واخرين. هذا التكلس في حياتنا الفكرية هو الذي جعل «كل من هب ودب» في كل العالم يطالبنا بالاصلاحات وطرق السلوك السليم بدء من كيفية استخدام فرشاة اسنان الى اداء العبادات! نحتاج فعلاً لاصلاحات شاملة في مجمل حياتنا، لكن استمرار تنازلاتنا المستمرة لاميركا لن يجعلنا نتقدم كما يعتقد البعض بل سوف يزيد الامر سوءاً، والسبب ببساطة ان مهندسي ومخططي الامبراطورية الجديدة في الادارة الاميركية لم يعودوا يهمسون بأفكارهم بل يجلجلون بها علناً معتمدين على امتلاكهم لكل شيء مؤثر في صناعة القرار هناك من الاموال الى الاعلام الى المسئولين انفسهم، هذه العصابة المسيحية الصهيونية لا تمثل كل المسيحيين، ومن المهم جداً تذكر ان غالبية الكنائس المسيحية تعارض هذه التوجهات الخطرة وبعضها كان له موقف اكثر من محترم ضد العدوان الاميركي على العراق.. لكن المشكلة ان غالبية المؤثرين في الادارة الاميركية واقعون تحت تأثيرات قساوسة متطرفين بعضهم وصل تبجحه لوصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ارهابي!! كيف نواجه هذا الطوفان الذي يبدو انه لن يتوقف او يهدأ قريباً؟ في تقديري المتواضع ان الزخم الرئيسي الذي يستمد منه التيار الاميركي المتطرف قوته، هو تزايد حجم التيار المتطرف لدينا هنا في المنطقة العربية، بمعنى انه لولا احداث 11 سبتمبر ما كان يمكن احتلال العراق، وما كان يمكن مطالبة اميركا لنا بتغيير مناهجنا وحياتنا!! هذه العصابة الاميركية تسقط فقط وتنكشف عوراتها عندما نصلح انفسنا بما يخدمنا، لكن استمرار بعض متطرفينا في قتل مدني هنا وغربي هناك هو افضل خدمة يقدمونها للمتطرفين الاميركيين والاسرائيليين.. وحتى لا يسيء احد الفهم فهناك فارق كبير بين المقاومة الفلسطينية البطلة التي تقاتل الصهاينة والمستوطنين لتحرير ارضهم المغتصبة، وبين القيام بقتل مواطنين غربيين في الشوارع العربية ما يزيد صورتنا تشويهاً في الغرب.. هل يدرك بعض متطرفينا هذه الخدمة المجانية المقدمة التي يقدمونها للغرب عبر عملياتهم العشوائية ؟ اشك كثيراً. لا حل لمواجهة الكارثة القادمة بدون بدء اصلاح شامل بعيداً عما تطلبه اميركا.. اصلاح هدفه اسعاد الناس وحريتهم، بدون ذلك وفي حالة التعامل مع الامر كما حدث مع المخطط الصهيوني في فلسطين والاميركي البريطاني في العراق فسوف نفاجأ بأن المطالب الاميركية لا حد لها. واذا كانوا قبل ايام قد طلبوا الغاء هيئة دينية في دولة اسلامية، بغض النظر عن رأينا فيها، وطلبوا قبل ذلك عدم التطرق لآيات الجهاد في القرآن، فقد يطلبون غداً ان نقلل عدد الصلوات لتصبح مرة يومياً وركعتين فقط، وربما يطلبون بعد غد الغاء الصلاة نهائياً تمهيداً للخطوة النهائية وهي تهويدنا جميعاً. لنصلح حالنا وبسرعة قبل الطوفان. emadiraqi@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات