خواطر ـ أحزان الخط العربي ـ عبدالوهاب قتاية

الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 كان صوت خبير الآثار والفنون العراقي مختنقاً يوشك ان يجهش بالبكاء، وهو يتحدث في احدى المحطات التلفزيونية عن كارثة السلب والنهب والتخريب والحرق لكنوز متاحف العراق ومكتباته، ومنها اكثر من مئة وسبعين ألف قطعة اثرية نفيسة، ومئات الآلاف من اندر المخطوطات العربية والتركية والفارسية، تمثل في مجموعها سلسلة الحضارات الزاهرة التي ابدعها ابناء العراق وابناء الأمة العربية والاسلامية في ارض الرافدين. كان الحديث مروعاً مؤثراً يملأ العين دمعاً والحلق غصصاً، خاصة حين راح يذكر ما اسعفته به الذاكرة من أمثلة الروائع والنوادر والنفائس التي نهبت، مثل الدرهم الفضي الوحيد من نوعه في العالم والذي يعود الى عهد عبدالملك بن مروان (65-86ه) وهو اول درهم عربي اسلامي خالص، ومثل الألواح المسمارية التي تحمل أقدم كتابة ابدعها الانسان، ومثل نصوص ملحمة جلجامش، أقدم الاعمال الأدبية، والقيثارة البديعة التي يعود عمرها الى اربعة آلاف سنة. ومن نفائس المخطوطات والكتابات العربية، ذكر الرجل المكلوم آثار عبقريي الخط العربي: ابن مقلة، وابن البواب، اللذين أسسا قواعد اجمل الفنون العربية الاسلامية، وهو فن الخط العربي. فأما الرائد الاول ـ «ابو علي محمد بن مقلة» ـ فقد ولد في بغداد سنة 866 الميلادية، حيث صارت حياته دراما مثيرة حافلة بالنجاح والمآسي معاً، فقد تولى الوزارة اربع مرات لعدة خلفاء، ولكن مؤامراته ومؤامرات خصومه اودت به الى السجن وقطع يده المبدعة، والتمثيل به حتى مات في سجنه. وقد روي انه ناح على نفسه ويده فقال: «يد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات، وكتبت بها القرآن دفعتين، تقطع كما تقطع أيدي اللصوص، اما ترى ما حل بي!». لكن التاريخ خلده بحسن خطه وتطويره للخط الكوفي، وابتداعه خط النسخ وسماه «البديع» ووضع له قواعد دقيقة محكمة، حتى تغنى به الشعراء، فقال اسماعيل بن عباد: خط الوزير «ابن مقلة» بستان قلب ومقلة وقال الثعالبي، ضارباً المثل بحسن خطه: فصاحة سحبان، وخط «ابن مقلة» وحكمة لقمان وعفة مريم اذا اجتمعت في المرء، والمرء مفلس ونودي عليه، لا يباع بدرهم ويروي ابو حيان التوحيدي في «رسالة بعلم الكتابة» شهادة في خط ابن مقلة تقول: «ذاك نبى فيه، افرغ الخط بيده كما أوحى الى النحل في تسديس بيوته». اما الرائد الآخر، «ابو الحسن علي بن هلال»، المعروف «بابن البواب» المتوفى سنة 1022 الميلادية، فقد ابدع في استكمال ما بدأه «ابن مقلة» وتنقيحه وتحسينه حتى وصل به الى اوج الكمال، حتى ضرب به «ابو العلاء المعري» المثل في الجمال، فقال: ولاح هلال مثل «نون» اجادها بماء النضار الكاتب «ابن هلال» والى جانب حسن خطه، كان «ابن البواب» فنانا مبرزاً في صياغة الاختام وتزيين سقوف البيوت وجدرانها، ثم تفرغ للخط والكتابة، فنسخ القرآن الكريم اربعا وستين مرة احداها بالخط الريحاني، وهي نسخة نادرة ما تزال محفوظة في احدى مكتبات استانبول. وهكذا أبدعت بغداد وطورت فن الخط العربي على أيدي ابنيها العبقريين: «ابن مقلة» و«ابن البواب» اللذين تواصل بعدهما موكب حاشد من التلاميذ والتابعين المبدعين حتى اليوم، من «حسن الجويني» قديماً ثم «ياقوت الموصلي»، الى «هاشم البغدادي» وتلميذه «عبدالغني العاني» و«محمد سعيد الصكار»، الى جانب عباقرة الخط المبدعين في شتى أنحاء العالم الاسلامي، امثال «حامد الآمدي» في تركيا، و«سيد ابراهيم» في مصر، و«بدوي» في سوريا. ومن المحزن الذي يعصر القلب، ان تحفا رائعة من فن الخط العربي قديمة.. وحديثه، من ابداع «ابن مقلة» و«ابن البواب» والمحدثين، كانت بين ما نهبته او احرقته أيدي مغول عصرنا وحلفائهم.. وكلهم كالنباتات الشيطانية بلا جذور ولا أصالة ولا تراث يعي القيمة الحضارية للخط او النقش على الحجر او الذهب او الورق، وان كانوا جميعاً يعون انها يمكن بيعها بمال كثير.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات