قراءة عربية سريعة لـ «خريطة الطريق» ، بقلم : محمد مشموشي

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 مثلما هي كتابة اي شيء غير مفصولة عن زمان كتابته ومكانها، فضلا عن صاحب القلم الذي يصيغ سطوره، كذلك هي قراءته غير مفصولة لا عن الزمان ولا عن المكان ولا عن كاتب السطور. كان لا بد من ايراد هذه المقدمة القصيرة قبل الدخول في قراءة «خريطة الطريق» التي نشرتها - اخيرا وبعد جهد طويل - ادارة الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش تحت عنوان انها الحل الذي لا حل سواه لأزمة صراع تاريخي ستبلغ هذا الشهر، في الخامس عشر من مايو، الخامسة والخمسين من عمرها. فالزمان هو ما بعد الاحتلال الاميركي للعراق بالطريقة والاسلوب اللذين تم بهما، اي باجتياح مسلح من خارج اطار الشرعية الدولية بل وبالتعارض الكامل معها ووسط تهديدات علنية لكل دول المنطقة الاخرى بالمصير ذاته.. ولو انه تم قبل ذلك، ووضع في الادراج انتظارا للافراج عنه بعد الاجتياح. والمكان هو اسرائيل - برغم اعلان نص الخريطة من واشنطن - لسبب بسيط هو ان ما في النص لا يتعدى كونه انهاء الانتفاضة الفلسطينية، ثم انتظار حكومة ارييل شارون التي حددت في بيان تشكيلها رفض انشاء الدولة الفلسطينية ان تتكرم فتدخل في مفاوضات مع الفلسطينيين لاقامة «دولة مؤقتة.. بحدود مؤقتة»، في يوم ما قيل انه في العام بعد المقبل. وعمليا فليس الا بعد اعلان بوش انتهاء الحرب على العراق، والا بعد تشكيل حكومة فلسطينية برئاسة محمود عباس - أبو مازن -، ان افرجت واشنطن عن الخريطة، تأكيدا لما كان بوش قد قاله في خطاب امام «معهد انتربرايز الاميركي» في مطلع شهر مارس الماضي من انه لن يعمد الى تحريك قضية الصراع العربي - الاسرائيلي ولا الى نشر الخريطة المقرة من اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، الاتحاد الاوروبي، روسيا، والامم المتحدة) الا بعد انتهاء هذه الحرب، اعتمادا على «ان قيادة العراق الجديدة بعد الحرب ستكون في وضع يسمح لها بتشجيع الفلسطينيين على انتخاب قيادة جديدة لهم بدلا من رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ». إملاءات «المنتصر» المعنى هنا هو ان على الاطراف العربية، وكلها في عرف الولايات المتحدة مهزومة تماما كما هو نظام صدام حسين في العراق، ان «تفهم الرسالة» كما قال وزير الخارجية كولن باول وان تعي بالتالي ان عليها ان تقبل باملاءات المنتصر في الحرب.. اي الولايات المتحدة، ومعها اسرائيل بالطبع. هذا في الشكل، مع انه ليس قليل الاهمية اطلاقا، اما في المضمون، اي في ما يتعلق بنص الخريطة، فتبدو المسألة ابلغ وضوحا من ذلك بكثير. في المرحلة الاولى، ورد انه من الآن - اي من تاريخ وضع الوثيقة في اغسطس من العام 2002 - وحتى مايو من العام 2003 - اي الشهر الحالي - سيتم انهاء الارهاب والعنف، واعادة الحياة الفلسطينية الى طبيعتها، واعادة بناء المؤسسات الفلسطينية... وفق اجراءات وتدابير تنهي عمليا الانتفاضة الفلسطينية على ايدي ما تصفه ب «اجهزة امن فلسطينية فعالة ومعادة الهيكلة»، مع علم الجميع بوضع اجهزة الامن الفلسطينية بعد عامين ونصف العام من العدوان اليومي الاسرائيلي الذي دمر البنية التحتية لهذه الاجهزة وقتل عناصرها او اعتقلهم وصادر معداتها. ما علينا ؟!. لكن لنفترض جدلا ان كل شيء سيتم كما هو مخطط له (وفي ذلك الكثير من الشك) مع تعديل في مواعيد المرحلة الاولى هذه، فمن السخف اذا توقع الوصول الى العام 2005 وتكون الدولة الفلسطينية او شبهها كما تقول الوثيقة امرا واقعا او حتى امرا محتملا. لا يقف الامر عند حد استخدام اجهزة الامن الفلسطينية لانهاء الانتفاضة، بل هو يتعداه الى «اعتقال الاشخاص وحتى الجماعات التي تشن وتخطط لهجمات عنف ضد الاسرائيليين في كل مكان»، والى قيام هذه الاجهزة «بعمليات ناجحة ومحددة تهدف الى تفكيك القدرات والبنى التحتية للارهاب»، والى قطع الدول العربية «التمويل العام والخاص للجماعات التي تدعم وتشارك بالعنف والارهاب» (مع ما في ذلك من مزج بين المساعدات الانسانية للشعب الفلسطيني وتمويل منظمات المقاومة )... وبينما يتقدم الاداء الامني الشامل (والمقصود هنا النجاح مائة في المائة كما قال شارون دائما) يقوم الجيش الاسرائيلي بانسحاب متقدم من المناطق المحتلة بعد 28 سبتمبر من العام 2000 ليعود الطرفان الى الوضع الذي كان سائدا قبل ذلك التاريخ. في المرحلة الثانية، المحددة ما بين يونيو 2003 وديسمبر 2003 مع ما في ذلك من لامعقولية، ترى الوثيقة ان الجهود فيها ستتركز على انشاء «دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، وسيادة رمزية، على اساس الدستور الجديد الذي يكون قد تم وضعه، كمحطة على الطريق نحو الحل الدائم ». بصرف النظر عن بدعة «الدولة المؤقتة»، باعتبارها اول اختراع من نوعه في العالم الحديث، اول ما يتبادر الى الذهن هو السؤال : هل يعني ربط الدولة بالدستور الجديد ان لاسرائيل مثلا حق الاعتراض على مثل هذا الدستور او على بند منه - مثل ان تكون هذه الدولة حتى بحدودها المؤقتة وسيادتها الرمزية دولة عربية تلتزم بميثاق الدفاع العربي المشترك -، او ان يكون لاسرائيل او للولايات المتحدة حق الاعتراض على تدريس مادة الجغرافيا في المدارس لأنها تحدد جغرافية فلسطين التاريخية في ما بين النهر والبحر ؟!. ثم ماذا لو ان حكومة شارون التي قالت مرارا انها تريد وضعا مؤقتا يستمر لعدة سنوات، او لعدة اجيال، اصرت على ان تبقى «الدولة المؤقتة» موضع امتحان يومي في قراراتها، او حتى في مدى الشفافية الادارية والمالية لديها، فعمدت الى ان تنزع عنها صفة «الدولة» لمجرد ان موظفا فيها تلقى «اكرامية» اعتبرتها تل ابيب فسادا اداريا يتناقض مع شفافية وديموقراطية الدولة ؟!. في الوثيقة ان اللجنة الرباعية ستكون مشرفا، وربما حكما، في الاجراءات الامنية المفروضة على السلطة قبل انشاء الدولة المؤقتة. وتتحدث عن اللجنة في صيغة انها «ستحكم جماعيا» على هذه الاجراءات، فماذا لو اختلف اعضاء هذه اللجنة في التقييم الامني - ولاحقا في التقييم الاداري - كما اختلفوا عمليا عشية الحرب على العراق وادى ذلك الى تفرد الولايات المتحدة، ومعها بريطانيا، بشن الحرب من دون اي اعتبار للشرعية الدولية او لميثاق الامم المتحدة ؟!، هل تكون «خريطة الطريق» ملزمة لمن القى بقرارات مجلس الامن وبميثاق الامم المتحدة في سلة المهملات، او تكون حكرا عليها من دون ما عداها في التفسير والتطبيق ؟!. حقنة التحذير في المرحلة الثالثة (العام 2004 - 2005) تفترض الوثيقة عقد مؤتمر دولي ثان للبحث في الوضع النهائي للاراضي العربية المحتلة، بما فيها الحدود وعودة اللاجئين والقدس ومصير المستوطنات الخ..، تحت عناوين عريضة تبدأ بالقرارين 242 و 338 مضافا اليهما القرار1397 التي تقول الوثيقة انها «تنهي الاحتلال الذي بدأ العام 1967»، مرورا بمؤتمر مدريد ومبدأ الارض في مقابل السلام، وتنتهي بالمبادرة السعودية المدعومة من قمة بيروت العربية «التي تدعو الى قبول اسرائيل كجار يعيش بأمن وسلام في اطار تسوية شاملة ». .... وقد يقال ان الجانب الفلسطيني وافق على «خريطة الطريق»، فلماذا الاعتراض ؟!. وقد يقال اكثر ان اسرائيل هي التي رفضتها في البداية، ثم ادخلت عليها تعديلات، ثم هي تقول الآن ان لديها مائة ملاحظة - اختصرتها اخيرا الى اربع عشرة فقط - عليها، فلماذا لا يقبل العرب، ولو لاسباب دبلوماسية، ما ترفضه اسرائيل اساسا ؟!. الواقع ان جزءا من الملاحظات السابقة يقول فقط ان «خريطة الطريق» هي من نوع «حقنة التخدير» التي لن يكون لها سوى مفعول تمرير الوقت بانتظار اكتمال الهزيمة الفلسطينية، وبالتالي العربية، بعد احتلال العراق. والجزء الآخر من نوع «الاكرامية» التي تقدم الى بريطانيا وبعض الدول الاوروبية التي طالبت على الدوام بتحريك القضية الفلسطينية ووقف حمام الدم المسفوك فيها منذ عام ونصف العام، بينما الجزء الثالث يقول ان الخريطة هي من نوع «الجائزة» تقدم الى اسرائيل على موقفها الداعم للولايات المتحدة و «الضريبة» تفرض على العرب عقابا على موقفهم غير الداعم لها وغير المتعاون معها. وفي كل الحالات فقراءة الوثيقة تكشف بما لا يدع مجالاً للشك ان تطبيقها، اذا صدقت النيات للتطبيق، سيكون من نوع المستحيلات. ـ كاتب لبناني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات