السيناريو الأسوأ ، بقلم: مصطفى عبد الرازق

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 يوما بعد آخر تتزايد المؤشرات على أن النظام العربي مقبل على أو دخل بالفعل في وضع مظلم من المتصور، أنه فيما لو استمرت آليات تعاملنا معه على نفس الشاكلة التي نتعامل بها مع قضايانا الآن فإننا ـ حسب التعبير الذي بات مشهورا ـ لن نرى ضوءا في نهاية النفق! وقد كان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بالغ الدقة في تأكيده على أننا يجب أن ننتظر السيناريو الأسوأ رغم ما قد يراه البعض في مثل هذه الرؤية من تغليب لليأس في تقييم الوضع العربي ، ولكنها حقيقة لا يمكن الفرار منها. واذا كانت مضامين هذا السيناريو قد تتعدد حسب طبيعة من يحاول استشراف مستقبل النظام العربي فإن مفهوم السيناريو الأسوأ يتجه في تصورنا - ونأمل أن تكون رؤيتنا غير صحيحة - الى امكانية انتقال ممارسات الهيمنة التي تمارسها إدارة بوش على الدول العربية حاليا من الولايات المتحدة الى اسرائيل. وقد حملت الأيام القليلة الماضية تطورات ذات دلالة على صعيد تأكيد هذه الرؤية. واذا كان الحديث عن علاقة تحالف استراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل أمرا مفروغا منه وتناوله الكثير من الدارسين بالتحليل فإن ما نشهده على ساحة هذه العلاقة إنما يمثل اضافة لبنات الى هذا التحالف لتصل به الى حد التماهي بين الطرفين ومن هنا تكمن خطورة ما نشهده من تطورات. ففي تصريح لا تخفى دلالاته راحت كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي للرئيس بوش تعلن أن جولة وزير الخارجية باول إنما تمثل بداية تدخل اميركي عميق لبناء شرق أوسط جديد محوره اسرائيل معتبرة أن أمن الدولة العبرية هو المفتاح ليس لأمن المنطقة بل لأمن العالم ، فيما يشير الى مدى ما يمكن أن تمثله اسرائيل من محورية في السياسات الدولية مستقبلا. ما نريد الوصول اليه هو أن تطور الأمور على هذا النحو يجعل المنطقة مقبلة خلال فترة قد لاتكون بعيدة على سياسة املاءات اسرائيلية على شاكلة الاملاءات الأميركية، ويعزز هذا الطرح أن جانبا كبيرا من سياسات الهيمنة الاميركية الحالية إنما تمثل، حسبما ذكرنا في مقال سابق، نوعاً من الادارة بالوكالة للأهداف الاسرائيلية! صحيح أن سياسات واشنطن تعبر بقدر كبير عن المصالح الأميركية لكن الجانب المعبر عن المصالح الاسرائيلية واضح ولا يتطلب قدرا كبيرا من الاجتهاد. على الصعيد الاسرائيلي من الواضح أن مخطط الهيمنة يأتي ضمن أعمال الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، لا فرق في ذلك بين حمائم وصقور سوى في الأسلوب. ونشير هنا الى أن اسرائيل نجحت خلال النصف الأول من عقد التسعينيات وهى الفترة التي تولى فيها حزب العمل الحكم في فرض تصورها بشأن مستقبل المنطقة من خلال اثارة النقاش بشأن مشروع بيريز حول مفهوم الشرق اوسطية وهو المشروع الذي جرى بالفعل المضي في تدشين بعض جوانبه من خلال المؤتمرات الاقتصادية والمفاوضات متعددة الأطراف وغيرها، وهو الأمر الذي تمكن نتانياهو من وأده بسياساته التي تسعى الى فرض الهيمنة عن طريق القوة وليس المفاوضات. ورغم الانتفاضة فإن شارون جاء ليواصل نهج نتانياهو انطلاقا من فرض سياسة الأمر الواقع على الفلسطينيين والعرب. وفي ضوء ما آلت اليه الأوضاع فيما بعد أحداث 11 سبتمبر وما أفرزته من تحولات تمثلت في الاتجاه نحو الاستخدام المفرط للقوة في ادارة العلاقات الدولية يمكن لنا أن نتخيل السيناريو الذي ستكون عليه شكل الأوضاع في المنطقة في المستقبل القريب. واذ أخذنا في الاعتبار السياسات الاسرائيلية الرامية الى تضخيم قوتها العسكرية من خلال علاقاتها بالغة الخصوصية مع الولايات المتحدة، وفي ذات الوقت تراجع أوضاع القوة العسكرية العربية في ضوء فقدان الحليف التقليدي المتمثل في الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل الموازن الموضوعي للولايات المتحدة فإن ذلك يرجح كفة تطور الأوضاع في غير الصالح العربي وهو أمر يدفع في اتجاهه فقدان الارادة السياسية العربية والتي تعتبر في حالة شلل شبه كامل يثير دهشة العدو قبل الصديق! فالشئ الغريب هنا هو حالة السكون العربي التي تنتاب الأنظمة العربية دون أي محاولة للتأثير في مجريات الأمور! يؤدي بنا ما سبق الى تبني مقولة ان الصراع مع اسرائيل صراع وجود وليس صراع حدود رغم الابتذال الذي شاب هذه المقولة غير أنها تعبر أصدق ما يكون التعبير عن طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني. واذا كان لنا أن نتواصل في رسم ملامح السيناريو الأسوأ على ضوء نظيره الذي يجري حاليا من قبل الولايات المتحدة ويطالب دمشق مثلا بالغاء حزب البعث فما الذي يمنع اسرائيل حال شعورها بوجود فارق قوة هائل مع العرب لصالحها أن تتقدم بمطالب مماثلة ولنا فيما تقدمت به لمصر مؤخرا نموذجا مصغرا حيث تحتج تل أبيب على قيام مصر بتركيب اجهزة مراقبة متطورة لمراقبة الملاحة على ساحل خليج تيران بشرم الشيخ في مياه مصر الاقليمية باعتبارها خرقا لاتفاقية السلام بين مصر واسرائيل. مقتضيات السيناريو الأسوأ الذي قد تؤول اليه الأمور في المستقبل تقول ان ذلك قد يستتبعه فرض عقوبات اسرائيلية على مصر وامكانية القيام بعمل عسكري ضدها. قد نكون بالغنا في رسم صورة مظلمة للمستقبل غير أنها مبالغة قد تكون مطلوبة لأنها تحمل بذور واقعية ولا تنطلق من خيال محض. فتمثل هذه الصورة والعمل على مواجهتها يجنبنا مخاطر سوء التقدير التي أدت الى قيام اسرائيل وهو الأمر الذي كان في يوم من الأيام السيناريو الأسوأ عربيا ولكنه تحقق للأسف! ولعل ادراكنا لهذه الحقيقة يدفعنا الى تجنب سيناريو أسوأ ثان قد يقضي على ما بقي لنا من وجود ذي قيمة في عالمنا المعاصر!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات