قوة الاحتلال ، بقلم: خالد محمد أحمد

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 دخلت القوات الأميركية والبريطانية الأراضي العراقية رافعة لواء تحرير الشعب العراقي وليس الاحتلال، واليوم تعترف الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في مشروع قرارهما المقدَّم إلى مجلس الأمن أن قواتهما في العراق هي «قوات احتلال» وليس كما ادعتا من قبل بأنهما جاءتا لتحرير الشعب العراقي من الدكتاتورية. هذا التخلي عن «التحرير» والتحول إلى «الاحتلال» يكشف النوايا الحقيقية وراء الحرب بعد أن اصطدمت واشنطن بعدم قدرتها على التصرف بثروات العراق النفطية، عادت إلى مجلس الأمن لتكتسب شرعية لسلطتها هناك لتتمكن من التصرف بنفط العراق وثرواته. بلغة التهديد والإملاءات يتحدث السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة جون نيغروبونتي مطالباً مجلس الأمن بضرورة الإسراع في اتخاذ قرار رفع العقوبات، ويكرر ما قاله من قبل المتحدث باسم البيت الأبيض آري فلايشر: «لا يوجد أي سبب لكي تأخذ المناقشات حول قرار رفع العقوبات عن العراق وقتاً طويلاً، يفترض أن ينجز ذلك في الأسبوعين المقبلين». ويحذر بأن «المهلة القصوى هي الثالث من يونيو المقبل». أميركا محيّرة العالم، فهي في قرار الحرب كانت مستعجلة ولديها أجندة انكشف مستورها، ومازالت حجتها لإعلان الحرب لم تثبت حتى الآن، أميركا عادت إلى مجلس الأمن «مكرهة» لأنها من غير ذلك لن تستطيع «قانوناً» أن تصدّر نفط العراق! الشعب العراقي عانى كثيراً منذ 12 عاماً، وحرم من استغلال موارده الطبيعية، حتى الدواء والغذاء كانا مرهونين بموافقة أميركا.. «النفط مقابل الغذاء»!! اليوم وبعد أن تحقق لأميركا وبريطانيا مآربهما واحتلتا العراق تطالبان برفع العقوبات!! برغم أن دولاً عديدة مثل فرنسا وألمانيا وروسيا سعت وحاولت قبل الحرب تخفيف العقوبات، ولكن لا حياة لمن تنادي، أميركا كانت تعترض وتهدد بـ «الفيتو»!! المشروع الأميركي برفع العقوبات يأتي تلبية لحاجة المحتل لاستكمال نهب ثروة العراق.. والدليل على ذلك ما يقوله عضو الكونغرس الأميركي المستر هنري واكسمان، الذي يكشف من خلال مراسلات له مع الجنرال روبرت فلاوزر، كبير المهندسين في الجيش الأميركي، عن وجود عقد بملايين الدولارات ينطوي على دور لشركة هاليبرتون التي كان يرأسها ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، ليس لإطفاء الحرائق في آبار النفط ولكن في «تشغيل منشآت وتوزيع منتجات»!! واكسمان يقول: «الآن فقط، بعد أكثر من خمسة أسابيع على الكشف عن العقد، يعرف أعضاء الكونغرس والشعب أنه قد يُطلب من هاليبرتون ضخ وتوزيع النفط العراقي وفقاً للعقد». الوفد الأميركي في الأمم المتحدة وزّع مسودة المشروع متضمناً مقترحات ترفع العقوبات عن العراق باستثناء مبيعات الأسلحة، دون أن يكون مرتبطاً بقيام الأمم المتحدة بالتفتيش عن الأسلحة المحظورة في العراق. القرار يسمح للعراق بيع النفط بشرط إيداع الإيرادات فيما يعرف بـ «صندوق مساعدة العراق» لاستخدامها في الوفاء بالاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار!! الصندوق الجديد سيشكل له مجلس استشاري مكون من ممثلين عن الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، غير أن قرارات إنفاق الأموال ستظل تحت سيطرة الولايات المتحدة وبريطانيا، لكن بالتشاور مع السلطة العراقية المؤقتة المزمعة!! مطلوب من الأمين العام للأمم المتحدة فقط تعيين منسق خاص للإشراف على عمل المنظمة الدولية في مجالات المساعدة الإنسانية ونشاطات إعادة الإعمار في العراق، على أن يعمل هذا المنسق تحت إمرة الولايات المتحدة وبريطانيا بصفتهما سلطة احتلال تسيطر على البلد لمدة 12 شهراً! المشروع الأميركي يقترح إنهاءً تدريجياً لبرنامج النفط مقابل الغذاء على مدى أربعة أشهر، ويقول بضرورة الوفاء بالتزامات العقود التي أبرمت، والتي تخص السلع المدنية ذات الأولوية، حسب الوصف الأميركي. مشروع القرار يستبعد عودة مفتشي الأمم المتحدة للتحقق من خلو العراق من أسلحة التدمير الشامل وهو شرط نصت عليه قرارات سابقة من مجلس الأمن لرفع العقوبات. السفير الأميركي لدى المنظمة لا يرى داعياً لدور المفتشين الدوليين في المستقبل المنظور، موضحاً: «لقد اضطلع التحالف بعملية التفتيش في العراق عن أسلحة التدمير الشامل»!! القرار بشكله الحالي غير مرحب به من دول عديدة، وهناك جهود أميركية لكسب ود تلك الدول.. وبدون قرار من مجلس الأمن برفع العقوبات لا تستطيع ولا تملك أي هيئة عراقية أو أميركية تعمل في بغداد أية سلطة قانونية لتصدير النفط وتسلم إيراداته أو التصرف بها!! هل تستطيع أميركا أن تقنع المعارضين وتغيّر آراءهم لصالح قرار رفع العقوبات!! وإذا لم تحصل أميركا على ما تريد من مجلس الأمن، فهل تخالف الشرعية الدولية مرة أخرى؟ ذلك ما ستكشف عنه المداولات في مجلس الأمن في الأيام والأسابيع المقبلة!! هل «تنتصر» الولايات المتحدة في معركتها الدبلوماسية المقبلة، أم تفشل كما فشلت في استصدار قرار الحرب؟! الآن وبعد اعتراف الولايات المتحدة وبريطانيا بأنهما قوات احتلال، يفترض ان يبادر مجلس الأمن باتخاذ قرار بانسحاب تلك القوات من بلد عضو في الأمم المتحدة وليس فقط رفع العقوبات وتكريس الاحتلال. khalid@albayan.co.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات