خط مباشر ـ مراجعة.. ـ بقلم: أحمد عمرابي

الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 هل تدرك الحكومة السودانية ان فرص نجاح اي اتفاق سلام تتوصل اليه مع حركة قرنق ـ اذا تبلور مثل هذا الاتفاق اصلا ـ سوف تكون ضئيلة أو على الاقل منقوصة اذا لم تشارك الاحزاب السودانية الشمالية غير «المؤتمر الوطني» الحزب الحاكم؟ أطرح هذا التساؤل بمناسبة تجديد قادة هذه الاحزاب هذه الايام مطالبتهم للمشاركة في العملية التفاوضية بشأن المستقبل الدستوري لجنوب البلاد في اطار المشكلة السودانية عامة. فمن خلال التنظيم المظلي المعارض في الخارج الذي يطلق عليه «التجمع الوطني الديمقراطي» جدد كل من «حزب الامة» بقيادة الصادق المهدي و«الحزب الاتحادي الديمقراطي» بقيادة محمد عثمان الميرغني وأيضا الحزب الشيوعي مطلبهم القديم بأن يكونوا أطرافاً أصيلة في العملية التفاوضية. ونعلم ان الحكومة السودانية لاترحب بهذه الرغبة لأسباب ليست موضوعية وانما هي اسباب تتصل بالتكتيك والمناورة. فبينما يرى قادة الاحزاب الشمالية توسيع الاطار التفاوضي ليشمل ايضا قضية التحول الديمقراطي الكامل والحريات في الشمال فان الحكومة ترى ان يقتصر التفاوض حاليا على مشكلة جنوب السودان تحديداً. لكن.. هناك سؤال: لقد افترضنا جدلاً أن الحكومة وافقت على مشاركة الاحزاب الشمالية في التفاوض فهل يوافق الطرف التفاوضي الآخر ـ اعني «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق؟ ان معارضة الحركة الجنوبية اقوى في الواقع من المعارضة الحكومية، فبالاضافة الى ان اهتمام قرنق محصور في مشكلة اقليمه الجنوبي فإنه يرى ان الافضل لحركته من حيث التكتيك ان يظل الصف الشمالي منقسماً على نفسه بين حكومة في الخرطوم و«تجمع» معارض في الخارج من اجل استغلال التناقض السياسي بينهما لصالح اجندته الجنوبية. بناء على هذه الحقيقة فان قادة الاحزاب الشمالية المشاركين في التجمع يهربون الى الامام بعزوفهم عن اثارة المسألة مع حركة قرنق مكتفين بإثارتها لدى الطرف الحكومي فقط ولومه وكأنه هو الطرف الذي ينفرد بمعارضة مشاركتهم في المفاوضات. ان المفترض نظرياً ان حركة قرنق عضو مؤسس في التجمع المعارض. لكنها دخلت العملية التفاوضية مع الجانب الحكومي دون تنسيق مع احزاب التجمع الاخرى ودون استئذانهم.. بل حتى دون مجرد ابلاغهم مسبقاً بما تعتزم الاقدام عليه. وطوال المسار التفاوضي حتى الآن ظلت الحركة تتجاهل اي تشاور مع التجمع في شأن اي من القضايا المطروحة على مائدة المفاوضات. ونذكر انه عندما عقد أول اجتماع لقادة التجمع في اعقاب نهاية الجولة التفاوضية الاولى بين الحكومة وحركة قرنق في ماشاكوس ـ تلك الجولة التي انتهت الى اتفاق «اعلان مباديء» ـ شن فاروق ابوعيسى، احد اقطاب التجمع هجوما عنيفاً على قرنق وحركته. لكن مع ذلك انتهى الاجتماع دون اتخاذ اجراء تأديبي ضد الحركة. ولو كانت الحركة تعتبر التجمع تنظيماً استراتيجياً ثابتاً من اجل العمل الموحد تجاه قضايا استراتيجية ـ لا مجرد تنظيم مرحلي يجوز استغلاله ـ لرفضت التفاوض مع الحكومة من حيث المبدأ مشترطة ان تكون مشاركتها في العملية التفاوضية في اطار التجمع. لقد وصلت التجربة التفاوضية الثنائية حتى الآن الى لا شيء في كل من القضايا المصيرية التي طرحت على المائدة. وأرى ان هذا الوضع يوفر مناسبة جديدة لإعادة النظر في التركيبة التفاوضية برمتها والوساطة الخارجية. فالعضوية التفاوضية ينبغي توسيع اطارها ليشمل الاحزاب الشمالية واحزاباً جنوبية اخرى. اما الوساطة الخارجية فسوف تبقى ناقصة التكوين طالما انها تفتقر الى العنصر العربي.. فبالاضافة الى مجموعة الوسطاء الأفارقة (ايغاد) والولايات المتحدة ودول أوروبية (أصدقاء ايغاد) ينبغي ان تنضم إليهم مصر وليبيا. عدا ذلك فإن من المتعذر ان يتوصل الطرفان المتفاوضان حالياً الى اتفاق سلام.. ولو توصلا الى اتفاق فسوف يكون ناقصاً وصعب التطبيق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات