استراحة البيان ـ حذار من العودة إلى الصبا ! ـ يكتبها اليوم : محفوظ عبدالرحمن

الخميس 7 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 8 مايو 2003 بماذا تفسر هذا الاحتفاء الشديد بكل ما يتعلق بزمن الشباب والصبا؟ هل هذا إحساس بالنهاية، وعندما تقترب النهاية يبحث الانسان عن الماضي. من بين متاعبي في هذه الأيام عودة زميل من زملاء الدراسة الثانوية والجامعة من المانيا بعد أن أكمل دراسته هناك، وعمل، وتقاعد. ويبدو - فنحن نحرج من بعض الأسئلة - أنه لم يتزوج أو ترمل أو طلق، وليس لديه أولاد. ولم يعد هناك ما يشغله في المانيا. لذلك يعود لفترات متقاربة. ولا يستطيع أن يعيش هنا بعد أن تعود على الحياة في المانيا طوال ثلاثة أو أربعة عقود. وفي أثناء زياراته الكثيرة بدأ يبحث عن البدايات ونحن منها، إنه يتذكر أحاديثنا ونحن في المدرسة، ويسأل لماذا قلت هذا أو ذاك. وأنا لا أذكر أنني قلت هذا أو ذاك. ثم يبدأ في استكمال المناقشات التي تمت في الخمسينيات والستينيات مثل هل كان الملك فاروق فاسدا أم أن حاشيته هي التي كانت فاسدة؟ وهل الذي حدث في 23 يوليو 1952 هو ثورة شعبية من نوع جديد، أم أنها انقلاب عسكري أجهض الثورة الشعبية؟ وهل اليسار قوة سياسية قادرة على التغيير أم هو زخم ثقافي ويتوقف عند هذا؟ وهات لي عقلا يناقش هذه الموضوعات، ولكن ضيفنا العائد يطرحها بدقة ألمانية، ويحمل معه ملاحظات مكتبته على المناقشة السابقة. قلت لأصدقائي: لقد أنهى صاحبنا مهامه في الحياة، ويبحث الآن - لحظنا السيئ - عن أصوله. ونحن أصوله. لكن - قال صديق لنا - اننا كلنا في هذا السن نبحث عن الأصول. ولذلك - وأعود الى ما بدأت - أحسست بفرحة شديدة عندما سمعت صوت صديق قديم ملأ حياتنا طوال فترة الستينيات وما بعدها. كان أشهر المبدعين رغم أنه لم يكتب سوى قصتين قصيرتين، وقيل أنهما قصة واحدة نشرها بعنوانين مختلفين. وتحدث الناس عنه على أنه مستنسخ قبل ظهور هذه الفكرة بسنوات، فلقد كنت تقابله على مقهى «ريش» فإذا ذهبت الى مقهى «ايزافيتش» لسبب ما وجدته هناك، واذا ما مررت بكافيتريا «استرا» قابلك. ومن هنا صدقنا أنه أكثر من واحد. كان عالي الصوت جدا. وعندما تقدم في السن ولم يعد صوته يساعده حمل عصا يدفعك بها لتلتفت اليه. وعندما زار الرئيس السادات القدس، كتب «يافطة» كبيرة ترفض الزيارة، حملها وجلس أمام مقهى ريش. وبالطبع قبض عليه. فرحت جدا بصوت صديقنا. قال لي انه يريد أن يوصي على كاتب شاب يريد التفرغ. وقال لي ان اسمه شحاتة الغلبان شحاتة. وتنبه الى غرابة الاسم، فاستغرق في الضحك وأخذ يسب صاحبه، ثم قال لي: بصراحة اعتبرت التوصية وسيلة للحديث. وعلينا أن نلتقي، ونتذكر الأيام الجميلة. واللعنة على أيامنا هذه! وكان صديقي هذا أرقى - مع واحد أو اثنين - ممن أراد توصيتي في تفرغ كاتب. فهناك كاتبة كنت أراها في بعض الندوات وأحييها وتحييني تحية عابرة. فجأة وجدتها تتصل بي في التليفون وتقول لي انها قلقة غاية القلق على صحتي، فلقد رأتني أمس، وكنت شاحبا، وأكدت لها أنني في خير حال. ولكنني بالطبع قلقت على الصحة. ولم يمر يومان إلا واتصلت بي مرتبكة تسأل ماذا حدث فلقد رأتني في برنامج تلفزيوني فلم تجدني في أناقتي المعتادة! ولاحظ المضادة هذه. ويبدو أن السيدة تفرغت للقلق عليّ، لأنني كنت أجد كل يوم أو يومين تليفونا منها، وكلها قلق منها عليّ. وبالطبع اكتشفت أنها تريد التفرغ لكتابة عمل. ولكنني اعتبرت محاولاتها للتقرب بعيدة عن الذكاء. فلقد كانت في كل مرة تترك أثر شيء. وتذكرت قصة عن الرئيس جمال عبدالناصر لا أدري مدى صحتها. فلقد كان بين رجاله حسن صبري الخولي ولابد أنه كان شخصا شديد الكفاءة وشديد الاخلاص لأنه كان «الممثل الشخصي للرئيس» ومثل هذا الرجل تتوقع له التقدم في المناصب. لكن هذا لم يحدث وقيل انه كان يقول ما تقوله الأديبة التي أشرت اليها: يا ريس يبدو عليك التعب اليوم ولم يكن عبدالناصر يحب أن يذكره أحد بأنه متعب. و«كاتب» عرف متأخرا أنني مسئول عن إدارة التفرغ. ولما كنت ودودا معه دائما، فلقد رآها فرصة لا تعوض. كلمني بعد منتصف الليل بكثير: هل فتحتم باب التقدم للتفرغ؟ قلت له: وأغلقناه؟ قال: لم أقرأ الاعلان قلت له اننا نشرناه في الصحف اليومية وبعض الصحف الأسبوعية. قال في تعالٍ: أنا لا أقرأ الاعلانات! ثم قال في مرارة انه لا يعرف ما يفعل الآن، وأمامه مشروع هائل سيغير من وجه الحياة الثقافية. فلما قلت له أنني قليل الخبرة في الأمور الادارية، ولذلك أطلب منه النصيحة. قال لي: املأ مركزك وخذ قرارا إما أن تعيد فتح باب التقدم مرة أخرى، وإما أن تقبل طلبي استثناء. فلما قلت له انني لا أنوي أن أفعل هذا أو ذاك. وأنني أقترح عليك الانتظار للعام المقبل، وأن السنين تمر أسرع من الساعات، فوجئت به وهو يتقبل الاعتذار. لكنه لم يغلق التليفون والساعة تقترب من الثانية صباحا. وقال: طيب. سمعت انك تقوم بكتابة عمل هل من الممكن أن ترشحني ممثلا فيه! وأخذ يحكي لي عن تجربته الوحيدة في التمثيل، وكيف أعجبوا به، وكنت أسأله وأناقشه، لكن عقلي كان يقوم بتقديم شخصية درامية تقوم بمؤامرات ثقيلة على أبطال العمل، وفي النهاية يكتشفون ما فعله هذا الرجل، فيجتمعون حوله ويضربونه ضربا مبرحا. وتخيلت «الكاتب» وهو يصرخ ألما. واستعذبت الصورة جدا. على أي حال موضوع التفرغ هذا يحتاج الى حديث خاص لنعود الى ما يمكن تسميته بالحنين الى الصبا. فلقد فاجأنا صديقنا «الألماني» بطلب غريب. قال انه قرر استضافتنا لمدة ثلاثة أيام في أفخم فنادق الاسكندرية في تاريخ كذا. وأنه يريد منا أن ندعو له أصدقاء الصبا، وأعطانا قائمة بأسمائهم وبعضهم صفات أكثر منها أسماء مثل: الطويل الأسمر وأظنه اسمه حسن! ورأيت أن للمجاملات حدودا، ولكن صديقي الثالث في رحلة العودة الى الماضي قال انه من الواجبات أن نلبي مطالبه، فهو في النهاية ضيف علينا من المانيا. وبالمناسبة الصديق الثالث من الصعيد. وأخذ صديقي يتابع معي رحلة البحث عن زملاء الصبا. وفي كل يوم كانت مكالمة: هل تذكر أحمد عبدالفتاح. الله يرحمه! لقد استطعت الوصول الى حمزة الأناضولي. مفاجأة. إنه في المانيا وفي نفس البلد الذي يعيش فيه صديقنا! اتصلت بأسرة ابراهيم الدسوقي، وقالوا لي انه في مستشفى أمراض عصبية ولكنهم يستطيعون اخراجه لعدة أيام حتى يحضر معنا اللقاء أو «المؤتمر» كما أسميناه! حمل صديقي الثالث مهمة غريبة عليه في الوصول الى زملاء الصبا. وفعلا تأمل مصائرهم هو رواية عجيبة ففيهم لواء شرطة وخريج سجن بعد عشرين عاما. لكنها على أي حال كانت قضية سياسية. قلت لصديقي الثالث .. فهو وحده الذي كنت أستطيع التحدث معه بصراحة .. أنني قلق من هذه التجربة وأنني تذكرت رواية قرأتها عن رجل عرف أنه مريض وعلى وشك الموت فأخذ يبحث عن أصدقاء الصبا. وأنني أخشى أن تتكرر التجربة مع أحدنا. ولكن صديقي - الثالث - كان مشغولا جدا بالتجربة، فلقد أعجبته أكثر مما أعجبت أي شخص آخر. وبدا أنه يؤلف رواية في الواقع. وكان يريد تأليف رواية على الورق ولم يفعل. وجاء اليوم الموعود. ورأيت الاسكندرية أبعد مكان في الدنيا. عادة اسافر بالسيارة. لكنني خشيت من الحوادث. قلت لنفسي إن السفر بالقطار أأمن وأمتع ولكن تذكرت حوادثه الأخيرة. فكرت في السفر بالطائرة، ولكنني أخاف من ركوب الطائرة رغم أنني سافرت أكثر من أي طيار محترف. وعدت الى السيارة وأمري لله. وكان صديقنا الثالث قد سبق الى الفندق لاستقبال الضيف. ولقد استقبلني على بوابة الفندق! ـ كارثة لقد مات صديقنا! كان بخير حال... نام ... ولم يقم .. مات وهو نائم. وحدقت في البحر الهائل وتساءلت للمرة المليون: ماذا في جوف البحر؟ وقاطعني صديقي: ـ أخوه هنا ومصمم على أن المؤتمر. أتعرفه. فلان؟ كان أكبر منا. مسكين لديه فشل كلوي!.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات