الساحة الفلسطينية في مواجهة الاستحقاقات ـ بقلم: ماجد كيالي

الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 دخلت الساحة الفلسطينية، مرة واحدة، في مواجهة تحديات داخلية وخارجية، ناشئة عن التداعيات المتعلقة بتشكيل حكومة فلسطينية جديدة وعن الاستحقاقات المتعلقة بطرح خطة «خريطة الطريق» في حيّز التنفيذ. ومشكلة الحكومة الفلسطينية الحالية، وهي الأولى من نوعها في النظام السياسي الفلسطيني، بعد استحداث منصب رئيس الوزراء، أنها تواجه اختبارات وتجاذبات متعددة ومعقدة، من نواح عدّة، أهمها: 1 ـ الازدواجية التي ستنشأ في مركز القرار الفلسطيني، بوجود رأسين في قيادة الساحة الفلسطينية، لاسيما مع وجود ياسر عرفات، الذي هو رئيس السلطة الوطنية ورئيس منظمة التحرير وزعيم حركة فتح. وما يزيد من صعوبة وحراجة وضع هذه الحكومة الشبهات أو التدخّلات التي أحاطت بولادتها، والتي أظهرتها وكأنها جاءت لتلبية املاءات خارجية، وفي سياق الاستجابة لخطة «خريطة الطرق»؛ خصوصا وأن التجاذبات التي حصلت بين الرئيس ياسر عرفات ورئيس الوزراء المعين محمود عباس (أبو مازن) زادت من التشويش على هذه الوزارة. 2 ـ الاستحقاقات المطلوبة من هذه الحكومة تجاه التعامل مع خطة «خريطة الطرق»، لا سيما في مجال الأمن. فهذه الحكومة ستجد نفسها في وضع على غاية من الصعوبة. فكيف يمكن لها، مثلا، أن تنزع سلاح الفصائل، أو تقنعها بوقف أعمال المقاومة، في وقت تقوم فيه إسرائيل بأعمال التدمير والتقتيل؟ والأنكى من ذلك أن مفهوم إسرائيل لالتزام الحكومة الفلسطينية بتهدئة الأوضاع ووقف التحريض، ليس له علاقة بإقناع الفصائل المعارضة بالتخلي عن نهجها، بوسائل الحوار والضغط السياسي، وإنما ترى ذلك بقيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية بحملة اعتقالات للناشطين في هذه الفصائل وتدمير بناها التحتية، والإعلان عن بعض الأجنحة العسكرية باعتبارها فصائل «إرهابية» خارجة على القانون! وباختصار فإن المطلوب إسرائيليا من هذه الحكومة حراسة أمن إسرائيل، أو بمعنى آخر شن حرب أهلية في المجتمع الفلسطيني، كي تتمكن هذه الحكومة من نيل ثقة إسرائيل. 3 ـ التوقعات الكبيرة التي ينتظرها المجتمع الفلسطيني، من أية حكومة، لإعادة تنظيم أموره وإدارة أحواله، وتخليصه من حال الفوضى التي تحيط بأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومعروف أن الحكومات السابقة كانت تفتقد للمصداقية، بسبب انعدام الكفاءة والفساد في عملها. مأزق مزدوج ولا بد من القول هنا بأن وصول الوضع الفلسطيني إلى هذا المأزق، على الصعيدين الداخلي والخارجي، ما هو إلا تحصيل حاصل لسياسات خاطئة تم انتهاجها طوال مرحلة المفاوضات التي أعقبت قيام الكيان الفلسطيني، وخصوصا منها التخبطات التي سادت خلال الثلاثين شهرا، الماضية، من عمر الانتفاضة. فالسلطة الفلسطينية منذ قيامها كانت بحاجة ماسة لمأسسة أوضاعها ووضع حد للتداخل بين عملية التحرر وعملية بناء مؤسسات الدولة وإدارة المجتمع، عبر التمييز بين هاتين العمليتين، على رغم التكامل بينهما، من خلال إدراك استحقاقات كل منهما وتلبية متطلباتها. وكان التوجه نحو إصلاح السلطة، واستحداث منصب رئيس الوزراء، مثلا، مطلب فلسطيني داخلي، طال انتظاره، خصوصا وأن هذه السلطة عانت من غياب الحدود بين المؤسسات والقيادات وعدم تحديد الصلاحيات وغياب الدستور والعقلية الفردية والمزاجية والروح الفصائلية. ومعروف أن القيادة الفلسطينية، ضربت عرض الحائط بهذه الدعوات وتملّصت من وضع الأسس المناسبة لبناء الكيان الفلسطيني، بحجّة الانشغال بالعملية التفاوضية (قبل الانتفاضة)، ثم بدعوى الظروف الخاصة التي نشأت عن الانتفاضة والمقاومة وظروف المواجهة مع إسرائيل. وكانت النتيجة أن السلطة لم تنجح في وضع الأسس اللازمة لبناء مؤسساتها، على قاعدة قانونية وديمقراطية، ولا نجحت في إحراز تقدم في عملية المفاوضات. وبعد اندلاع الانتفاضة كانت نتيجة هذه الازدواجية، أي التداخل بين مهمات قيادة السلطة وقيادة الانتفاضة، سلبية، أيضا، والنتيجة أن السلطة لم تستطع الحفاظ على مؤسساتها وسلطتها ولم تستطع الذهاب إلى النهاية في قيادتها للانتفاضة والمقاومة، وبالتالي فهي لم تتمكن من قيادة الانتفاضة بطريقة ملائمة تتيح لها تحقيق تقدم ما في عملية التحرر، ما خلق هذه الفوضى في الإطارين السياسي والميداني في الساحة الفلسطينية! ويستنتج من ذلك أن الشبهات التي أحاطت بقيام حكومة محمود عباس، على أهميتها، لا ينبغي أن تصرف انتباه المعنيين بالساحة الفلسطينية عن ضرورة إعادة بناء أوضاعهم وتنظيم ساحتهم وترتيب بيتهم الداخلي، لأن هذه المسارات هي التي تمكّنهم من تفويت الاستهدافات الإسرائيلية والأميركية، وليس إبقاء ساحتهم في هذه الحال من الفوضى والتضارب السياسي والميداني، الذي يفيد إسرائيل أكثر بكثير مما يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية. وهكذا بات الوضع الفلسطيني اليوم، وبنتيجة سوء إدارة السلطة وتخبطات المعارضة، في وضع حرج ومعقد، فالقيادة الفلسطينية، ربما، تتجه لقبول أقل ما كانت رفضته في مفاوضات طابا (2001). والانتفاضة وصلت إلى طريق مسدود، لا سيما بعد تغير الوضعين الدولي والعربي (مع الاحتلال الأميركي للعراق). والانتفاضة بمعناها الصحيح (الشعبي) لم تعد موجودة، منذ أشهر، باستثناء عمليات متفرقة (كل شهر أو شهرين) من دون أفق سياسي، والموجود هو مجرّد فعل إسرائيلي للاستفراد بالفلسطينيين في محالة لسحقهم وتدميرهم وإخضاعهم. معطيات وتحديات أما شرعية المقاومة المسلحة فقد تم تقويضها، حيث لم يعد المجتمع الدولي يميز، تقريبا، بين عمليات المقاومة المسلحة ضد المستوطنين والعسكريين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والعمليات الاستشهادية في المدن الإسرائيلية، بسبب عدم تمييز الفلسطينيين، أصلا، لعملياتهم ولأهدافهم الوطنية. على أية حال وبغض النظر عن الشطط في المرحلة الماضية، فإن إصلاح أوضاع الساحة الفلسطينية يحتاج إلى أكثر من مجرد تشكيل حكومة، فهو يحتاج أساسا إلى: أولا: تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها المعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وفي مناطق اللجوء والشتات. ثانيا: تعزيز التعددية والديمقراطية في العمل الوطني ومؤسسات الكيان الفلسطيني. ثالثا: الفصل بين السلطات وإقرار الدستور والتركيز على دور المؤسسات وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية، لتجديد شرعية الدولة الفلسطينية الوليدة. رابعا: خلق التفاعلات والحوارات من أجل التوصل إلى استراتيجية سياسية وميدانية متوافق عليها بين مختلف أطراف الطيف الوطني الفلسطيني، ووضع حد للفوضى والشطط في التوجهات والمواقف. خامسا: تحاشي التداخل بين دور المنظمة ودور السلطة، أو بين جانبي العملية الوطنية الفلسطينية التحرري والمجتمعي، بحيث تكون مهمة الحكومة إدارة المجتمع الفلسطيني، في الداخل، وتبقى العملية التفاوضية بشأن القضايا المؤجلة لمفاوضات الحل النهائي: القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات، في عهدة منظمة التحرير الفلسطينية، كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فإن القيادات الفلسطينية، في هذه الظروف الصعبة والحرجة، معنية بقراءة متمعّنة في التحولات الحاصلة والاستحقاقات الناجمة عنها، لا سيما بعد الاحتلال الأميركي للعراق، لاستنباط العبر منها ولصوغ الاستراتيجية المناسبة لها، بعيدا عن العواطف والتمنيات أوالتوهّمات، وذلك لتجنيب الفلسطينيين المخاطر الناشئة ولضمان الحفاظ على الإنجازات الوطنية المتحققة. فقد دفع الشعب الفلسطيني غاليا ثمن الفوضى وتضارب الارادات والمزايدات، ودفع ثمنا باهظا نتيجة عدم قراءة المتغيرات الناجمة عن صعود إدارة بوش إلى البيت الأبيض وعن صعود شارون إلى سدة السلطة في إسرائيل، ونتيجة عدم فهم التحولات الأميركية الناجمة عن حدث 11 سبتمبر. المهم بالنسبة للفلسطينيين، أنه وبغض النظر عن الإطار العربي والدولي، الذي بات غير موات بالمرة، فإنهم بحاجة، في هذه الظروف الحساسة، لالتقاط الأنفاس وترتيب أوضاعهم، بعد عامين ونصف من مواجهة الإجراءات الإسرائيلية الوحشية المدمرة ضدهم. والفلسطينيون، أيضا، معنيون بمواجهة المأزق الراهن بحكمة ومرونة، مع تجنّب أي استدراج إسرائيلي لمواجهات ساخنة أو لتوترات أعلى من حدها، لأن هذا الوضع سيغطي أية ردة فعل إسرائيلية كبيرة ضدهم، كما سيسهل على إسرائيل أخذ الإدارة الأميركية إلى جانبها في محاولاتها التحرر من مجمل استحقاقات عملية التسوية وتقويض الكيان الفلسطيني نهائيا. ولا نبالغ إذا قلنا أننا على أعتاب مرحلة جديدة، ولكن النجاح في هذه المرحلة يتوقف كثيرا على وعي الفلسطينيين للمتغيرات الحاصلة وعلى مدى إدراكهم لأهمية وحدتهم في مواجهة المخاطر التي تتهدد قضيتهم، وتوافقهم على مواجهة استحقاقات هذه المرحلة العصيبة والخطيرة. ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات