ليست حالة خاصة.. إنه عصر عربي بأكمله، هذا «التكامل» الذي لم يكتمل! ـ بقلم: جلال عارف

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 هذا حدث طيب بلا شك في وقت لم نعد نتلقى فيه إلا الأنباء السيئة، ومع ذلك فالحدث يفتح أمامنا صفحة في كتاب أزمة النظام العربي تحتاج للقراءة أكثر من مرة، وتحتاج أكثر لاستخلاص الدرس وتفهم العبرة. الحدث هو زيارة الرئيس المصري حسني مبارك للخرطوم ولقائه بقادة السودان الشقيق والاتفاق على برنامج عمل لتوثيق العلاقات. هذا هو الجانب الطيب في الزيارة، يقابله جانب آخر يتمثل في أن الزيارة هي الأولى منذ ما يقرب من أربعة عشر عاما شهدت أزمات وانفراجات في العلاقات بين القطرين الشقيقين، حتى أن الأمور وصلت في بعض المراحل إلى احتمالات الاشتباكات المسلحة بعد اتهام القاهرة للسلطات السودانية بأن لها علاقة بمحاولة فاشلة لاغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا. كيف يمكن أن تصل العلاقات إلى هذا الحد بين قطرين شقيقين ارتبطت حياتهما بنيل واحد، وامتزجت دماؤهما كما لم يحدث بين ابناء دولتين عربيتين أو غير عربيتين؟ وكيف يمكن أن يكون هو الوضع بين قطرين ناضلا معا لعشرات السنين تحت راية واحدة تحمل شعارا لم ينس حتى الآن وهو «وحدة وادي النيل»؟ قبل نصف قرن فقط لم يكن أحد يتصور أن ينفصل السودان عن مصر. وكانت المحادثات مع ممثلي الاحتلال البريطاني تصطدم بعقبة مصير السودان، حتى جاء عبدالناصر وفاجأ الجميع بقبول طرح القضية في استفتاء شعبي يختار فيه شعب السودان بين استقلاله أو وحدته مع مصر. وكان رهان عبدالناصر أن مصر والسودان هما الرابحتان مهما كانت نتيجة الاستفتاء. فالمهم ان يرحل الاستعمار عن القطرين الشقيقين ليقررا بإرادتهما الحرة نوع العلاقة بين شعبي وادي النيل. وبالفعل.. عندما اختار شعب السودان الاستقلال، سارعت القاهرة بالاعتراف بالدولة الشقيقة، وبدأت على الفور جهودها لاقامة جسور من العلاقات المتينة في مختلف المجالات. ولم تكن المحاولة سهلة وسط سلسلة المعارك التي خاضتها مصر وهي تقود حركة القومية العربية في هذه المرحلة، ووسط مؤامرات أميركية ومحاولات لحصار القاهرة، ومع آلام بناء السودان وانتشاله من درجة الصفر التي تركه عليها الاستعمار البريطاني. ومع ذلك فقد سارت الامور بطريقة معقولة حتى كانت هزيمة يونيو 1967، ومثلما خرجت الجماهير العربية في كل مدينة عربية ترفض الهزيمة وتتمسك بعبدالناصر في التاسع والعاشر من يونيو، كان المشهد التاريخي في الخرطوم بعد ذلك حيث انعقدت القمة العربية وخرج شعب السودان يستقبل البطل المهزوم ويجدد الثقة به، ويدفع القادة العرب الى القرارات التي وضعت أسس الصمود العربي في وجه الهزيمة استعدادا للرد الذي جاء في حرب أكتوبر بعد ذلك. فتح أبواب التعاون المشترك وسارت الأمور بين مد وجذر بعد ذلك لتعطي مثالا واقعيا لكيفية ادارة العالم العربي لعلاقاته بكل سلبياتها وايجابياتها. وها نحن بعد كل هذه السنوات نبدأ من جديد، وفي ظروف غاية في الدقة يمر بها القطران الشقيقان، وتمر بها الأمة العربية وهي تتعرض لهجمة استعمارية جديدة تستهدف وجودها في حد ذاته. ولكن الأهم من ذلك ان الزيارة وهي تفتح أبوابا للتعاون المشترك، تفتح معها أبوابا أخرى للأسى على فرص ضائعة وعلى جهود لو اكتملت لغيرت وجه الحياة في القطرين الشقيقين. فليست مؤامرات الخارج وحدها هي السبب، ولكنها طبيعة النظم العربية وكيفية ادارتها للعلاقات فيما بينها ومع العالم. على الجانب السياسي.. تأتي الزيارة بعد زيارتين للرئيس السوداني عمر البشير ولجون قرنق للقاهرة لتجسد استمرار الاهتمام بما يجري في جنوب وادي النيل، وللتأكيد على الموقف المصري الذي يرفض تجزئه السودان، ويسعى لارساء السلام والاستقرار في سودان موحد يخدم مصالح كل ابنائه ويساهم في ارساء دعائم الامن العربي والافريقي. هذا الموقف يصطدم بالطبع مع مصالح اخرى لقوى أجنبية، وهو ما يستدعي الدعم العربي لهذا الاتجاه، لأن تفكيك السودان لن تقتصر آثاره على وادي النيل. بل سيكون نموذجا يجري تعميمه في دول عربية كثيرة. ولعل كارثة العراق والمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني والتهديدات الاميركية لسوريا لا تجعلنا نغض الطرف عما يجري في السودان. فالمعركة واحدة والمصير واحد، وعدونا يدرك هذا ويتعامل على أساسه، وليتنا نسير على نفس النهج فنضع السودان في بؤرة اهتمامنا في كل الظروف، وليتنا نمتلك رؤية متكاملة للتعامل مع قضية السودان في مواجهة التحديات الكثيرة التي تفرض نفسها على الموقف هناك، وفي ظل التعقيدات الهائلة التي تموج بها الساحة العربية الآن. الجانب الآخر المهم في الزيارة، هو الحديث عن تفعيل اتفاقيات التكامل بين القطرين الشقيقين في كل المجالات. وهنا نتوقف امام العديد من المفارقات. فاتفاقيات التكامل تعود الى ما يقرب من ثلاثين عاما، ومع ذلك فالحصاد قليل. ولنا أن نتصور النتائج التي كان يمكن الوصول اليها لو أن كل الأطراف تعاملت بجدية مع هذه الاتفاقيات، وأبعدتها عن الخلافات الطارئة، وجعلت منها استراتيجية ثابتة بدلا من تركها تسير وفقا لدرجة حرارة العلاقات بين القيادات والأنظمة. إنها احدى الكوارث التي يعيشها النظام العربي. يتصالح الزعماء والقادة فتبرم الاتفاقات على عجل، وتبذل الوعود بسخاء، ويبدأ السير في طريق المشاركة الجادة، وتصدح الأناشيد بوحدة ما يغلبها غلاب. وفجأة تثور الخلافات بين القادة.. وهذا أمر طبيعي يمكن التعامل معه لو ابتعدنا عن الانفعالات وامتلكنا أدوات الحوار الدائم، وأبعدنا مصالح الأوطان الدائمة عن الخلافات الوقتية. نموذج مختلف ولنتأمل قليلا الموقف بين دول الاتحاد الأوروبي خلال الشهور الماضية، وكيف وصلت الخلافات حول الحرب في العراق الى ذروتها بين محور تقوده ألمانيا وفرنسا من ناحية، ومحور آخر تقوده بريطانيا واسبانيا برعاية أميركا من ناحية أخرى. ومع ذلك لم تتوقف المشروعات المشتركة، ولم تتجمد الاتفاقيات، ولم تتعطل الاجتماعات، ولم ينقطع الحوار في سبيل حل الخلافات والوصول الى رؤى متقاربة بين الجميع. عندنا تختلف الأوضاع. لأن الديمقراطية غائبة في معظم بلادنا العربية فإننا لا نعرف كيف نختلف ولا كيف نتفق، ولا نملك الآليات اللازمة لذلك، ولا نحترم الرأى الآخر، ومن هنا يتحول الخلاف الى قطيعة، وتمر العلاقات بين الدول من أقصى درجات الحرارة الى أقصى درجات البرودة، ويتحول الاعلام عن وظيفته ليكون مسرحا لتبادل الاتهامات وربما الشتائم. حدث هذا بين معظم الدول العربية، ودفعت الشعوب الثمن الفادح لذلك. حدث ذلك بين مصر وليبيا ـ وبين المغرب والجزائر، وبين العراق وسوريا.. الخ. وكان طبيعيا أن تشهد العلاقات بين القاهرة والخرطوم شيئا من ذلك في كل العهود، وكان مفترضا أن نملك القدرة على تجاوز ذلك، وعلى ترك الخلافات في موقعها.. خلافا بين أنظمة لا توقف عجلة التعاون المشترك ولا تضع العراقيل أمام مصالح الشعوب، ولعلنا جميعا ونحن في قلب الأزمة ندرك الآن حجم الخسارة التي لحقت بالعمل العربي المشترك في ظل هذا النهج غير السليم لادارة العلاقات العربية ـ العربية. ولعلنا الآن جميعا ـ ونحن نواجه الخطر ـ ندرك مدى الحاجة لإعادة بناء نظامنا العربي على أسس جديدة بعد ان كشفت الأزمة الاخيرة مدى انكشاف الأمن العربي، ومدى قصور العمل العربي المشترك عن تلبية حاجات الأمة، وعمق الحاجة الى اصلاح جذري سواء داخل المجتمعات العربية أو فيما يتعلق بالعلاقات بين الدول العربية وبعضها. التحدي المطروح وقد يكون الوضع صعبا ومعقدا في السودان الشقيق، وقد لا يكون من الواقعية في شيء أن يكون طرفا أساسيا في حديث الاصلاح العربي المطلوب، ولكن ربما كان هذا الوضع هو أحد وجوه التحدي المطروح على العرب الآن. وقد يكون النجاح فيه أحد مداخل عبور الأزمة العربية الشاملة. ـ إن جهدا عربيا تقوده مصر من أجل المساعدة على وقف نزيف الدم في السودان واقرار السلام واعادة بناء القطر الشقيق على أسس من المساواة والديموقراطية هو أمر ضروري للامن العربي كله. ـ إن استكمال مشروعات التكامل بين مصر والسودان (إذا أخذت بجدية كاملة) قد تعطي نموذجا للتعاون المشترك يصلح للبناء عليه ونحن نبحث في بث الحياة في السوق العربية المشتركة التي فشلت كل الجهود حتى الآن في اقناع النظم العربية بضرورتها. ـ إن الامر لن يمر بسهولة في ظل أوضاع اقليمية ودولية صعبة، وفي ظل صراعات قوى دولية ورغبة أميركية في الهيمنة الكاملة على المنطقة، وفي ظل مشروعات مشبوهة لمستقبل السودان، ومحاولات محمومة لحصار مصر. ومع ذلك فالمحاولة مطلوبة، والجهد لإنجاحها ضروري، والوعي بأهميتها يفرض أن نهيئ لها ظروف الانطلاق، وفي مقدمتها اقرار السلام في السودان والحفاظ على وحدته، ثم حشد الإرادة الشعبية في القطرين الشقيقين وراء خطة التكامل من خلال عملية ديموقراطية لابد أن تشمل كل الاطراف، لأن ذلك وحده هو الذي يكفل الحماية المطلوبة للتجربة ويبعدها عن التقلبات السياسية الطارئة التي طالما أطاحت بمحاولات كان يمكن لو استمرت ـ أن تغير وجه الحياة في العالم العربي. خطوة على الطريق ويبقى أن زيارة الرئيس المصري للسودان تمثل ـ الى حد كبير ـ تراجيديا العمل العربي المشترك. انها الأولى بعد 14 عاما من الغياب تخللتها سنوات من القطيعة قبل المصالحة بين النظامين، وهي تعيد الحياة الى مشروعات للتكامل عطلتها الخلافات السياسية ثلاثين عاما، وهي تتم في ظروف بالغة الصعوبة تمر بها الأمة العربية ويمر بها البلدان.. فالسودان يراد تفكيكه، ومصر يراد حصارها، والأمة يراد تركيعها، والأزمة تكشف مقدار الخلل في العلاقات العربية، وعجز النظام العربي يفرض عملية اعادة بناء شاملة، وكل خطوة صحيحة على الطريق تفتح بابا للامل نرجو الا نغلقه بأيدينا كما تعودنا قبل ذلك حين كنا نقيم الأفراح والليالي الملاح لمشروعات لا تنفذ، ولاتفاقيات لا يلتزم بها أحد. ثم تمر الأيام ويتقدم العالم ونبقى نحن كما كنا نكتفي بالحديث عن أحلام مجهضة وواقع مؤلم ومستقبل تحيطه المخاطر. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات