هل بقيت ذرائع أخرى؟، بقلم: مجدي شندي

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 كان وجود الرئيس العراقي صدام حسين على قمة السلطة في بغداد هو الذريعة الاميركية الابرز لابقاء قوات المارينز في منطقة الخليج العربي وبسقوطه سقطت، واصبح مطلوبا من الولايات المتحدة ان تبحث عن مبررات اخرى.. تلبسها صفة الاخلاقية او تصنع فرانكشتاين جديد، تدخل به الرعب في النفوس، فيسارع اتباعها في المنطقة طالبين منها ان تبقى.. ويسارع آخرون الى ابتكار وسائل هذا البقاء، اتفاقات امنية او تأجير قواعد.. او مناورات شكلية مشتركة تأخذ صفة الدوام. يوم الثلاثاء الماضي قال الامير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء السعودي (تعليقا على نقل المقر الاقليمي لقيادة القوات الاميركية في الخليج من قاعدة الامير سلطان في السعودية الى قاعدة العيديد القطرية) ان هذه القوات مهمتها انتهت ومن ثم فلا لزوم لها، والحقيقة انه لم يعد لها لزوم في المنطقة باكملها لا في السعودية ولا قطر ولا البحرين ولا اي دولة اخرى. واذا كان هناك من يزينون الامور بحكمة في الادارة الاميركية (ولا اظن انهم موجودون في الادارة الحالية) فان عليهم ان يطالبوا بذلك صونا للمصالح الاميركية فانسحاب الاساطيل من هنا لا يعني تفريطا في المصالح على اي نحو، بل ان هذا الوجود يؤجج المشاعر الوطنية ويزيد حالة الكراهية للولايات المتحدة في مختلف ارجاء الوطن العربي. ماذا تريد الولايات المتحدة من منطقة الخليج غير تأمين تدفق النفط.. وهذا التدفق مؤمن وحده فأغلب الشركات التي تعمل في المنطقة اميركية وكذلك خطوط النقل وخطوط المواصلات التي تحميها اميركا بقواتها المنتشرة في المياه الدولية على امتداد العالم من المحيط الهندي وحتى السواحل الاميركية. في هذه الحالة تكفي اتفاقات سياسية واقتصادية على سعر معقول يناسب البائع والمشتري. وجود القوات الاميركية يجب ان يتم تخفيضه على الفور بحيث يعود الى ما كان عليه قبيل الغزو العراقي للكويت، فمنذ حرب اكتوبر وحتى حدوث الغزو لم تكن هناك مشاكل فيما يتعلق بامدادات البترول ولم تضطر الولايات المتحدة الى استخدام قواتها العسكرية ولو لمرة واحدة. هذا الانسحاب يجعل الولايات المتحدة على الاقل منسجمة مع ذاتها ومنسجمة مع ما تطرحه من شعارات، وماتقول انها تروجه من قيم على الساحة العالمية. يزعم الاميركيون انهم ليسوا قوة احتلال، وأنا اصدقهم، لكن عليهم ان يكونوا كذلك بالفعل.. عليهم الآن ان يتركوا الشعب العراقي يختار بحرية وديمقراطية نمط الحكم الذي يناسبهم، ما الذي يجعل الأميركان يتكبدون مشقة البقاء في العراق وترتيب اوضاعه اذا لم تكن هناك مطامع حقيقية؟ لماذا لا يدركون أن دور الآلة العسكرية قد انتهى وأن عليهم الآن ان يتركوا الساحة لمنظمة دولية أو اقليمية تشرف على العراق لفترة مؤقتة يتمكن العراقيون خلالها من تنظيم صفوفهم وترتيب اوضاعهم السياسية حتى تجرى انتخابات نزيهة بحق تفرز ممثلين حقيقيين عن الشعب العراقي، وليس اشخاصا تم تصنيعهم وتعليبهم في دوائر المخابرات المركزية ليكونوا قادة وهم لا يتمتعون بمواصفات قيادية ولم ينبتوا من قاعدة جماهيرية حقيقية تتيح لهم أن يتخذوا خطوات مصيرية بشأن مستقبل بلادهم. لماذا لا يفكر الأميركيون بمنطق أنهم حينما يضعون على سدة الحكم العراقي تابعين لهم فانهم بذلك يعيدون الدكتاتورية للعراق.. أم اننا سنعود الى الازدواجية المعهودة حيث تكون الديكتاتورية خيرا محضاً اذا ماراعت المصالح الأميركية، وتنقلب الى شر محض حينما لا تتناسب مع المصالح والأهواء. الديمقراطية في النهاية ليست منتجا اصدرت اميركا براءة اختراعه، ولا هي تملك حقوق ملكيته الفكرية، وانما تمثل حصادا لتراث انساني يضرب بأعماقه في جذور التاريخ منذ جمهورية أفلاطون وحتى آخر حكومة تم انتخابها بحرية في العالم. هناك نموذج أميركي للديمقراطية.. مجرد اجتهاد بشرى، لا يمثل نموذجا وحيدا أو خاليا من العيوب، وليس ما يصلح لاميركا يصلح بالضرورة لكل الشعوب في العالم. فلترفع اميركا يدها ولتترك الشعوب تختار ما يناسبها وتتوصل إلى صيغة الحكم التي ترضي طموحاتها بطريقتها الخاصة. الجيوش الأميركية الموجودة في منطقة الخليج يمكن أن تدخل في حرب ضد جيش او ان تقوم بعمليات قرصنة ضد السفن او ان تصادر ارادة حكومة وتجبرها تحت ضغط السلاح ان تفعل ما يتناسب مع المصالح الأميركية، لكنها لا يمكن ابدا ان تصنع تجربة ديمقراطية في بلد ما فالديمقراطية لا يمكن صناعتها بأدوات الدمار، وهي كائن على خصام تاريخي مع الرصاصة والمدفع والدبابة وطائرات الاباتشي وقاذفات البي 52 وصواريخ كروز. السلاح في العادة أداة بيد الدكتاتورية، اما الديمقراطية فسلاحها الفكر والكتابة الحرة التي لا تدفع مسئولا في سفارة ان يحرض ضد صحيفة أو أن يحرم على بلد تداول الافكار وتلاقحها بينما ذلك حلال للاميركيين وصحفهم وكتابهم في أدق الشئون واكثرها حساسية. الولايات المتحدة مطالبة الآن ان تثبت بحق انها ليست قوة احتلال ليس في نظر العرب فقط، وانما ايضا في نظر العالم كله وامام الاميركيين انفسهم. وكفى تدبير مؤامرات والاعيب قذرة لاجهزة المخابرات حتى يسود السلام والاستقرار في العالم. كان التواجد العسكري في المنطقة سببا قويا من اسباب الارهاب الذي عانت منه الولايات المتحدة في 11 سبتمبر، واحتلال العراق يمثل مع استمرار هذا الوجود العسكري اسبابا اضافية اخرى لنشوء الف حركة متطرفة قد تذيق الولايات المتحدة ما هو امر من كأس 11 سبتمبر. بعد احداث برجي مركز التجارة العالمي نشأ تيار اميركي يتساءل عن اسباب العداوة التي دفعت منفذي 11 سبتمبر إلى ارتكاب ما ارتكبوه لكن هذا التيار الذي اراد ان يفكر في الهواء الطلق تم اقتياده إلى الغرف محكمة الاغلاق حيث الهواء ملوث والرغبة في القاء التبعة على الآخرين دون نقد الذات من اعلى درجاتها. اميركا بحاجة إلى ان تعيد الاعتبار إلى اولئك المفكرين المستقلين الذين يرون ان عصابة اليمين تقود بلادهم إلى منحدرات خطرة، ونحن كذلك في حاجة إلى هؤلاء.. حتى نرى الاساطيل وهي ترحل من هنا مزيلة اهم سبب من اسباب العداوة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات