استراحة البيان ـ والله «سافا» برشا ! ـ يكتبها اليوم: عماد الدين حسين

الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 اذا قابلت شخصاً تونسياً وأردت تحيته فالرجاء لا تقل له «يعطيك العافية»، لانك في الواقع تتمنى له السوء اذا علمت ان المعنى الشائع لكلمة العافية لدى التونسيين هو «النار» وليس الصحة الجيدة، ولذلك فأفضل تحية للتونسي هي ان تقول له «السلام عليكم» وكفى! وعندما وصلنا الى تونس الخضراء قبل بضعة اسابيع في زيارة لوفد يمثل وسائل الاعلام الاماراتية نظمته مجلة «اسفار» السياحية المتخصصة كانت النصيحة الاولى لنا الا نستخدم عبارة «يعطيك العافية»، اذا اردنا إلقاء التحية .. لكنني «ومن باب المناكفة»، قررت ان اجعلها التحية الاولى لمعظم من قابلتهم في غالبية المدن التونسية التي زرناها على ان اعقبها فوراً بعبارة العافية بالمعنى الشامي وليس المغربي فيتحول الامر الى دعابة وضحكات عالية. ونعرف جميعاً ان فترة الاستعمار الفرنسي، تركت بصماتها واثارها على كل بلدان المغرب العربي وخاصة الجزائر .. تونس من جهتها بذلت جهودا جبارة في عملية التعريب وحققت نجاحات ملحوظة، لكن بعض اثار الفرنسة ما زالت موجودة، وهكذا عندما تسأل بعض التونسيين عن امر ما، واذا عجز عن ايجاد المعنى بالعربية فانه احيانا يلجأ للفرنسية، هذا التداخل والتفكير احيانا باللغتين في لحظة واحدة ينتج عبارات مثيرة، فعندما سألت شخصا: كيف حالك؟ كانت اجابته العفوية: «والله سافا برشا لاباس»!! سافا هي كلمة فرنسية تعني «جيد» او كويس وبرشا مفردة محلية معناها كثير. ورغم اي شيء يمكنك ان تميز التونسي من بين كل العرب فورا اذا نطق باحدى الكلمتين التاليتين الاولى «باهي» اي جيد او حلو والثانية «عَسْلاَمَة» وتعني مرحباً او بِسْلامة. وفي اثناء الزيارة ظللت اسير في شارع بالعاصمة ـ اقصد «نهج» كما يسمونه هناك بحثا عن بقالة او سوبر ماركت، وعندما عجزت سألت احد الاصدقاء فقال لي انها امامك، نظرت فوجدت محلاً مكتوباً عليه «مغازة» وفي النهاية اكتشفت ان المغازة هي البقالة! واذا كان الديك في تونس ينادونه بالسردوك فان الكتكوت كما يقول المصريون او الصوص كما يقول الشوام يتحول في تونس الى «فلوس» واذا قلت للمصري فلوس فانها لا تعني بالنسبة اليه سوى المال، اما الخروف في تونس فيسمونه «العلوش» ومن الاكلات المشهورة هناك صنف يسمى «العلوش في القلة» وهي باختصار قطع من لحم الخروف موضوعة داخل القلة الصغيرة التي نشرب منها مع طماطم وفلفل وخضروات .. هذا الكوكتيل يوضع داخل الفرن، ثم يتم احضار القلة بأكملها الى المائدة، ليقوم الطاهي او الجرسون بكسر مقدمتها او رأسها ثم يضعها امامك في الطبق. وعندما اردت ان اكسر القلة بنفسي بدلاً من الطاهي المختص وجدت ان الفخار قد اختلط باللحم .. لم يفت ذلك في عضدي واكلت العلوش مخلوطاً ببقايا فخار القلة! السيارة في تونس ايضا لا يقال لها «العربية» كما يفعل المصريون لكن اسمها هو «الكَرَهْبَة» والبعض ينطقها «الكَهِربة» .. واذا كان الاخوة التونسيون يقولون «هز» بمعنى «شيل او احمل او خذ» فان عبارة احمله في السيارة تتحول فورا الى «هزه في الكهربة» وهكذا يتحول الامر بالنسبة لزائر تونس للمرة الاولى الى عبارة مخيفة تعني اصعقه بالكهرباء ولا يملك سوى الضحك الشديد عندما يدرك معناها. الامر نفسه لكن مع فارق الشعور واجهني في اليوم الاول داخل الفندق عندما وجدت عبارة «عزيزي الحريف مرحباً بك»!! المعنى الوحيد الذي اعرفه لكلمة «الحريف» هو الشخص صاحب الموهبة ودرجنا على اطلاقها على اللاعب المتميز في ساحات الرياضة، ولذلك استغربت .. فقد كنت ربما حريفاً في كرة القدم قبل عشرين عاماً، وفي النهاية عرفت ان كلمة حريف تعني الزبون او العميل!! ومن اطرف ما حدث لاحدى الزميلات عندما زارت تونس من قبل لحضور ندوة او ورشة عمل تدريبية .. استقبلها المندوب في المطار ليقول لها هل جئت لتونس لكي تتربصي .. فوجئت واعتقدت انها متهمة بالتجسس ولم يهدأ بالها الا عندما عرفت ان المتربصة تعني المتدربة .. فقالت : «لا باس». ورغم اختلاف مدلولات بعض الكلمات الا انك وبعد ساعات قليلة تكتشف انك في بلدك، فالعادات والتقاليد واحدة، والوجوه أليفة وبشوشة، والترحيب بكل عربي تكتشفه فوراً بدءا من عمي مبروك سائق الباص المرافق للوفد مرورا برؤوف بن سالم رئيس المندوبية السياحية في السفارة التونسية بالامارات ونهاية بمنذر الزنايدي وزير السياحة التونسي. وقبل ان تنتهي الزيارة بساعات وخلال جولة بأحد الاسواق القديمة وكنت بصحبة احدى الزميلات، سألني صاحب المتجر بثقة: أليست الاخت هي المطربة احلام فقلت له بالطبع لا.. احتفى بنا كثيراً لكنه اصر ان الزميلة هي المطربة فمضينا الى حال سبيلنا، وقبل ان تنتهي جولتنا بالشارع كان صاحب متجر آخر يصر على انني الممثل احمد زكي ويطلب مني ان اوقع له على «الاوتوغراف» اخبرته انني صحفي واخرجت له بطاقة هويتي الصحفية فظن انني امثل .. قلت له ان احمد زكي من محافظة الشرقية وأنا من اسيوط قلب الصعيد، فلم يقتنع، تركته يعتقد ما يشاء بعد ان ودعنا بابتسامات وترحيبات حارة. انتهت الزيارة بعد ثمانية ايام اعتقدت بعدها ان من لم يزر تونس فقد فاته الكثير .. فالذكريات «الباهية يَاسِرْ» ستظل في القلب حتى آخر العمر. emadiraqi@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات