خط مباشر ـ محاكمة صدام ـ بقلم: أحمد عمرابي

الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 هل ينبغي ان يحاكم الرئيس العراقي صدام حسين اذا قبض عليه حياً موفور العافية؟ ان مجرد طرح هذا السؤال ينطوي على سخرية، فما كان للسؤال ان يطرح اطلاقاً لو كان الرئيس صدام على رأس عمله يمارس سلطته القهرية الاستبدادية.. والا فما معنى سكوت الذين يطالبون الآن بمحاكمة رئيس النظام العراقي السابق عن استبداديين مماثلين لايزالون على قيد الحياة السلطوية؟ هذه النقطة تقودنا بالتداعي إلى سؤال آخر: هل يحق للعراقيين ان يحاكموا رئيسهم المخلوع عما عانوا من فظائع خلال فترة حكمه منذ عام 1979 أو منذ وصول التنظيم البعثي إلى السلطة عام 1968؟ بصراحة اقول: لا.. لأن الشعب العراقي لم يكن له دور في سقوط حاكمه المتسلط. فالتغيير الدراماتيكي الذي جرى في العراق وبلغ ذروته في التاسع من أبريل 2003 بسقوط بغداد ايذاناً بزوال حكم صدام نهائياً، لم يكن وليد ثورة شعبية، ومعنى هذا انه حتى ذلك التاريخ لم تكن لدى الشعب العراقي بكل فئاته اجندة عملية جادة للاطاحة بالنظام. بالطبع استولى البعثيون على السلطة بطريقة غير شرعية، لم يأتوا عبر انتخابات حرة وانما وفق تدبير انقلابي، ولكن حتى الانظمة الانقلابية تكتسب نوعاً من «الشرعية» اذا بقي النظام الانقلابي على السلطة لمدى عقود دون ان يواجه بانتفاضات شعبية حاسمة. ان سر بقاء بعض الانظمة الاستبدادية لعشرات السنين دون تحدٍ شعبي، ليس اعتمادها على الجيش الذي استغلته اصلاً للوصول إلى السلطة بقدر ما هو الاجهزة الاستخباراتية الداخلية. لكن هذه الأجهزة لا تنجح في مهامها للمحافظة على بقاء النظام الحاكم إلا بقدر ما يتعاون معها قسم كبير من المواطنين في شتى مناحي الحياة اليومية ضد أقسام أخرى. والعكس صحيح، فعندما تمتنع كل فئات الشعب عن التعاون مع الأجهزة الاستخباراتية، فانه بذلك يتحقق الشرط الأساسي لاندلاع ثورة شعبية كاسحة للاطاحة بالنظام. هل يعني ذلك ان القوة الخارجية التي اطاحت بنظام صدام حسين عن طريق الحرب المكشوفة يحق لها ان تحاكم الرئيس العراقي؟ والاجابة أيضاً هنا بالنفي. لماذا؟ لأن الحرب كانت حرباً غير مشروعة، سواء بمعايير القانون الدولي أو المعايير الطبيعية الاخلاقية. لقد شنت هذه الحرب من وراء مجلس الأمن الدولي وتحدياً له ولميثاق الأمم المتحدة. ثم ان المبررات التي سيقت لشن الحرب كلها باطلة.. ثبت بطلانها قبل الحرب.. وتأكد بعدها. لقد قامت الولايات المتحدة بشن الغزو على العراق اعتماداً على ثلاث ذرائع: أولاً بسبب «امتلاك» العراق أسلحة دمار شامل.. وثانياً للاطاحة بالنظام الحاكم من اجل «تحرير» الشعب العراقي، وثالثاً لانه كان للنظام «علاقة» مع تنظيم «القاعدة». وانتهت الحرب بكل دمارها دون ان يعثر على أسلحة دمار شامل، وتحول الغزو إلى احتلال بغيض، ولم يتوفر أي دليل دافع يثبت ان للنظام أجندة «إرهابية» بالتعاون مع «القاعدة». وما دامت مبررات الحرب باطلة فان كل ما يترتب عليها من اجراءات هو بالضرورة باطل ـ بما في ذلك اجراء محاكمة للنظام ورئيسه. فالوجود الاحتلالي الاميركي على الارض العراقية هو اصلاً وجود غير مشروع. وفي كل الاحوال، وبصرف النظر عن كل اعتبار، فانني شخصياً أرى ان تقديم الرئيس صدام حسين إلى محاكمة بصفته نظاماً اجرامياً استبدادياً ـ وهذه حقيقة ـ أمر غير محبذ اطلاقاً.. لانه سيكون في ذلك رسالة إلى الاستبداديين الاخرين في العالم الثالث بأسره بأنهم طاهرون وشرفاء. نعم.. صدام حسين دكتاتور دموي عاث في الأرض فساداً. ولكن لماذا الانتقاء الانفرادي.. والسكوت عن امثاله ممن لا يزالون ماضين في القهر والبطش وتعذيب الناس؟ هل لأن الولايات المتحدة راضية عنهم انطلاقاً من اجندتها الذاتية وأجندة إسرائيل.. وان صدام حسين ليس جديراً بهذا الرضا؟ وفي سياق الحديث عن الولايات المتحدة يبقى سؤال أخير: لماذا لا يحاكم جورج بوش؟ هذا رئيس يخرج على الشرعية الدولية علناً، ليرسل صواريخ زنة طن للصاروخ الواحد على شعب من شعوب العالم الثالث البائسة، متحدياً كل شرائع القانون الدولي.. فلماذا لا يقدم الى محاكمة كمجرم حرب. والشيء بالشيء يذكر: فلماذا لا يقدم أرييل شارون أيضاً لمحاكمة عن جريمة ثابتة: مقتل ألفي فلسطيني في مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات