بدون عنوان، بقلم: مريم عبدالله النعيمي

الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 لا تخفي الولايات المتحدة الاميركية وجود اهداف ثقافية تطمع في تحقيقها في منطقة الشرق الاوسط، ولا تخفي انها عازمة على تغيير منظومة القيم الثقافية بما يتناسب مع اهدافها الخاصة بإعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط حسب ما صرحت به كونداليزا رايس في اوقات متعددة. لكن الثابت ان فرصة نجاح اي مشروع ثقافي يراد زرعه من الخارج تتضاءل امام المناخ الثقافي الخاص الذي يستمد وجوده من تعاليم الاسلام ويلون الحياة الفكرية والاجتماعية بلون يستعصي على التحلل والذوبان. فالبيئة الثقافية التي ساهمت في تشكيلها قواعد واسس غاية في القوة والتميز والتأثير ستكون هي العقبة التي تتحدى مشاريع تغيير وجه الخارطة الثقافية. ومن السذاجة ان ينظر الى التفريط في الالتزام ببعض تعاليم الاسلام من قبل بعض ابنائه على انه استعداد للتفريط في الثوابت، وقبول مبدئي بفكرة المقايضة عليها. بل ان العكس هو الصحيح، وحينما تأتي الدعاية من الخارج سافرة عن وجهها، موضحة اهدافها النهائية ازاء اجتثاث القيم والافكار الخاصة بأبناء هذه المنطقة، فان من الطبيعي ان يستيقظ النائم، ويصحو الوسنان، وتستعيد الشعوب لياقتها النفسية من جديد في ظل التحدي القائم. ولا ادل على الزخم والتدفق الذي ينتج عن قبول التحدي من هذه الوقفة الشجاعة المزدوجة التي تحلق بجناحين من نور، وتثبت فاعلية وتميزاً في التعامل مع الاخطار في كل من فلسطين والعراق. فالقوة المتنامية التي يظهر عليها هذان الشعبان تقدم مثلا حقيقيا على ان الجذور الفكرية، والانتماء الى الهوية هما الحصن الاكثر استعصاء على الاختراق والهدم. كما تؤكد ان وجود هذا البعد في تصور الشخصية العربية المسلمة شيء ثابت ثبوت الجبال الرواسي مهما اشتدت التحديات، وتنوعت الاساليب بين الترغيب والترهيب والدعاية والحرب النفسية التي لا تدع حيلة او وسيلة لتركيع ابناء هذه المنطقة الا ولجأت اليها لكن دون جدوى. ان الامتيازات النفسية، والمكاسب الفردية والاجتماعية التي تقدمها الهوية الى اتباعها هي السبب الذي يقف وراء الحكم على محاولات تجفيف منابع ثقافة ابناء هذه المنطقة بانها محاولات يائسة وسيكون مصيرها الفشل. والتجربة التاريخية تؤكد ان الحسم العسكري لا يعني امكانية الهيمنة الثقافية على الشعوب المهزومة في الحروب. ولا ادل على استحالة اقتلاع الجذور الثقافية والفكرية النابعة من ضمير الامة من المحاولات الفاشلة التي شهدها العالم الاسلامي سواء كان ذلك في العصور الوسطى أم في القرنين الماضيين. فالتجارب الاستعمارية التي اتخذت من ارض الاسلام مسرحاً لها وعلى لسان أرنولد توينبي المؤرخ الغربي الشهير منيت بخسائر فادحة في تمرير مشاريعها الثقافية في المجتمعات المسلمة. ويرى توينبي ان تجربة نابليون بونابرت في مصر هي المثال العملي على استحالة التسويق لمشاريع التغريب في المنطقة. ويدلل على صحة رأيه بنتائج الحروب الصليبية التي أدت إلى إثراء الحياة الغربية الوسيطة بعناصر اجتماعية وثقافية كان لها اثرها في قيام حركة النهضة الاوروبية ابتداء من القرن الرابع عشر. والصحيح انه مهما اعترى الضعف كيان هذه الامة فان المساومة على ثوابتها تغدو مغامرة محفوفة بالمخاطر، وكل تشكيك في هذه الحقيقة لن يعدو ان يكون تسويقاً لفكر سقيم ثبت ان مروجيه اعداء الحرية والانسان ودعاة الهدم وادعياء التقدم

طباعة Email