العرب والحرب.. تململ رسمي وغضب شعبي، بقلم: احمد الكناني

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 منذ بدء العدوان على العراق بدا المشهد العربي ممزقاً بين نهج رسمي يتعامل بهدوء مع هذه الكارثة، ونهج شعبي هائج. فبينما كانت الحكومات تدعو الولايات المتحدة إلى سرعة انهاء الحرب كان الشارع العربي ـ ولا يزال ـ يطالب بأقصى درجات التضامن مع العراق. ومن أجل ذلك مارس الشارع أشد الضغوط املاً في تطوير المواقف الرسمية حيث يريد. ومن جانبها لم تأبه الحكومات كثيراً بالضغوط، فتلك أساليب اعتادت عليها واستطاعت ـ على مدى عقود ـ التكيف معها، فهي ترى انه لا خلاف بين هذه التحركات الشعبية وما سبقها، بينما يرى كثيرون ان تحركات هذه المرة ربما تكون مغايرة عن كل مرة. وطوال الأيام الماضية اتخذت التحركات الشعبية المساندة للعراق اشكالاً عدة منها: ـ تنظيم مسيرات احتجاجية تخلت في بعض الاحيان عن طابعها السلمي إلى حد سقوط قتلى في بعض المواجهات. ـ سفر آلاف المتطوعين إلى العراق تلبية لفتاوى بعض علماء الإسلام التي حثت على أداء فريضة الجهاد. ـ اشتداد المقاطعة الاقتصادية لكل ما هو اميركي وبريطاني. ـ اضراب بعض القطاعات عن العمل تضامناً مع الشعب العراقي. وجاءت المبادرة الأولى من جانب نقابة المحامين المصريين. ـ تنظيم حملات شعبية للتبرع بالدم والمال، وتم ذلك بموافقة ودعم حكوميين في بعض البلدان. ـ وعلى النقيض من هذه التحركات الشعبية كانت مواقف الحكومات العربية والتي اختلفت نسبياً من دولة إلى أخرى لكن تلك المواقف اشتركت في بعض السمات العامة ومنها: ـ الامتناع عن ادانة الحرب الأميركية على العراق بعبارات واضحة وصريحة. ـ الحرص على الحصول على معونات من الولايات المتحدة تحت شعار تعويض خسائر الحرب، رغم انه ما كان لهذه الخسائر ان تقع لو جوبهت الولايات المتحدة برفض عربي قوي حاسم وفعال ضد الحرب. ـ قمع كل اشكال التعاطف الشعبي مع العراق عبر حملات اعتقال واسعة «ثم التخلي عن هذا الاسلوب خلال الاسبوع الثاني للحرب». والملاحظ ان الفجوة بين ما هو رسمي وبين ما هو شعبي كانت على أشدها في بداية الحرب، الا ان التصلب بدأ يتراجع ويبدي نوعاً محدوداً من المرونة، ربما يهدف إلى امتصاص الغضبة الشعبية وتهدئة اوارها، فمع دخول الحرب اسبوعها الثاني، وتأكد الحكومات من طول امد الحرب، بدأ نوع من التململ العربي الرسمي، خاصة مع تصاعد الضربات الاميركية ضد المدنيين. وقد عبر هذا التململ عن نفسه في عدة صور تقترب من عتبات المطالب الشعبية مثل: ـ السماح بتنظيم المسيرات مع الكف عن استخدام القوة ضدها. ـ السماح بسفر المتطوعين الراغبين في الجهاد إلى جانب الشعب العراقي. ـ تسابق الدول العربية في ارسال المساعدات الاغاثية. ـ تغير لغة الخطاب الاعلامي الرسمي تجاه العراق. والاشادة بصمود المقاومة العراقية مجاراة للمشاعر الشعبية. ـ صدور تصريحات رسمية عربية قال بها مسئولون عن السياسات الخارجية ومن ذلك ما قاله وزير الخارجية المصري احمد ماهر بأن استمرار الضغوط الشعبية سيؤدي بكثير من الحكومات إلى تغيير مواقفها من الحرب الجارية. ولعل ما ساعد على هذا التحول البطيء والبارد في السياسة الرسمية العربية هو سعي السياسة العربية للتفلت من الضغوط الاميركية من اجل مجاراة الضغوط الشعبية ولو بهدف كسب الوقت. وما شجع على ذلك هو قوة الصمود العراقي وتأكد صانع القرار العربي ان الحرب التي وعدت واشنطن بأنها قصيرة وخاطفة لن تكون كذلك، ومن ثم بدأ النهج الرسمي يدرك ضرورة مراجعة سياساته تجاه الحرب، ولما لا فالولايات المتحدة نفسها تراجع وتغير كل خططها العسكرية في ميدان المعركة. هذا بخلاف ان تصاعد الانتقادات لمجرى الحرب والجدال الذي دار على شاشات التلفزة الاميركية حول فشل الخطط العسكرية والذي وصل الى حد تبادل الاتهامات بين قطاعات البنتاغون حول هذه الخطط منح صانع القرار العربي فرصة ليتفلت ـ ولو قليلاً ـ من الضغوط الأميركية. يضاف إلى ذلك ان الدول العربية التي ظنت انها بعيدة عن مجرى الحرب وجدت نفسها مشدودة بقوة اليها. فالتهديدات الاميركية لسوريا دفعت بمصر إلى التأكيد ان العلاقات بين القاهرة ودمشق علاقات استراتيجية، بل ان مصر نفسها تم جذبها إلى هذه الحرب عندما قام احد رعاياها وهو محمد لطفي البربري بدهس عشرة جنود أميركيين بسيارته في الكويت «يوم الاحد 30 مارس». رغم فردية حادث الدهس. وهنا أيضاً لا يمكن استثناء الدول العربية التي سافر منها متطوعون إلى العراق، فهذه الدول أيضاً وجدت ان الحرب وصلت إليها في العمق. وتؤشر هذه التطورات التي لا تزال محدودة إلى امكانية حدوث تحولات كبيرة في النهج الرسمي العربي تجاه الحرب على العراق، فذلك النهج الذي بدا في معظمه متحفظاً قد ينتهي مناوئاً للولايات المتحدة وبريطانيا، اذا امتدت لفترة طويلة. وهذا يتحدد بمدى استطاعة المقاومة العراقية على الصمود طويلاً فذلك الصمود قادر على ان يلهب روح الشارع العربي الضاغط بقوة، خصوصاً في الدول العربية ذات الثقل. فكلما طال الصمود العراقي كلما اضطر صانع القرار العربي إلى مجاراة هذا التغير، بما يؤدي بالتالي إلى التقاء الرسمي بالشعبي من أجل مساندة العراق

طباعة Email