الى اللقاء، بقلم: حسين درويش، عصر كليلة ودمنة

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 لقد عاد العصر الذي نكتب فيه بطريقة كليلة ودمنة ونقول على لسان الطير والحيوان ما لا نجرؤ على قوله جهراً ولأسباب متباينة حسب كل بقعة جغرافية وموقفها من العدوان على العراق او بحسب علاقتها مع اميركا! وعندما تنطق الحيوانات فهذا يعني خلاصة حكمة البشر الذين وجدوا في كائنات اقل منهم شأناً ما لم يجدوه في ابناء جلدتهم. فقد قال النمر: اني لا آكل العشب ورد عليه القرد: لكن اميركا قالت انك حيوان عاشب. وقالت الغزالة: وانا لا آكل اللحم، فردت عليها القطة: لقد صنفك العالم في خانة الضواري. وقال العصفور: انا لا احب الزعتر، فرد عليه الغراب: يجب ان تحبه، لقد ولدت في مخيم جنين. وقالت النعامة، وردت عليها البقرة وقال الثور، وأكله الاسد، وجاءت الافعى، وذهبت الدجاجة، وعاد الضبع والتهم الحمل... وفي مخيلة بيدبا الحكيم الهندي مئات الحيوانات التي تقول الحكم وتقدم العبر، ولأن العبرة في الاختصار، فاني سأختصر هذه الحكاية عن النمر وهي مأخوذة بتصرف عن قصة «النمور في اليوم العاشر» للقاص زكريا تامر. فقد رحلت الغابات عن النمر واصبح اسيراً في قفص الصياد فجاع وطلب طعاماً فقدم له المروض عشباً فرفض وجاع ثانية فقدم له المروض في الثاني عشباً فأكله، ثم نام وفي اليوم الثالث طلب عشبه لكن المروض قال له قلّد صوت القطة، فرفض النمر ونام يومه جائعاً لكنه في اليوم الرابع قلد صوت القطة فحصل على عشبه وفي اليوم الخامس رقص النمر.. وفي السادس غنى وفي السابع صفق وفي اليوم الثامن رقص وفي اليوم التاسع نال الرضا، وفي اليوم العاشر تحول القفص الى مدينة وتحول النمر الى مواطن صالح. قصة هذا النمر هي قصتنا جميعاً وكيف تحولنا الى مخلوقات مدجنة نقنع بخبزنا وهوائنا وننتظر المصير، واجمل ما قرأته في هذا الشأن مقطعاً للشاعر الفرنسي جاك بريفير يقول فيه: في الصباح الباكر كان الراعي الصالح يقود حملانه الى المسلخ امام هذا الوضع المرتبك والمتداخل بين مشاعر اليأس والغضب والرفض والقبول والموت والحياة، تجد صوت الحكمة خافتاً خائفاً عملاً بقاعدة «وذو العقل يشقى» لذلك يركن العقلاء الى الصمت لأن كل كلمة الآن ومستقبلاً ستحسب على صاحبها وكل موقف سيكون له حسابه ولأن ـ حسب التوقعات ـ الحرب ستطول فإن هذا الوضع سيثقل على العقلاء فيلجأون الى كليلة ودمنة لاستنطاق الحقائق وعندما يعصرنون الحيوان الناطق فإنه يسأل مستغرباً: ان مطلع ابريل هذا قد مرَّ دون ان اسمع كذبة ابريل المعهودة. فيرد عليه حيوان ناطق معصرن: وهل هناك كذبة اكبر من عودة الاستعمار ومن انقسام العرب ومن محاولة لانشاء جامعة دول عربية مختارة من بعض الاقطار فقط، وهل هناك كذبة اوسع من تسمية الشهداء بـ «مجرد» قتلى الحرب الاميركية العراقية، ولكن الكذبة الاكبر والاخطر ان يكون هؤلاء القتلى اطفالاً! وختاماً لقاموس كليلة ودمنة نقتطف هذا المقطع المعاصر، فقد قدم المروض للنمر طبقاً فيه موز، فرفضه النمر صائحاً الا تراني نمراً، فرد المروض بلى اراك لكن اميركا قالت انك قرد. والقرد في عين امه غزال «مثل شعبي يطلق على بشاعة بعض الاقرباء». يالبشاعة العصر. e-mail: H-S-D@maktoob.com

طباعة Email