الانبطاحيون الجدد، بقلم: مصطفى عبد الرازق

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 هل يمكن المقامرة على مصير وطن أو أمة؟ لو كان الأمر كذلك لتمنينا من كل قلوبنا انتصار الولايات المتحدة في حربها على العراق، وتنفيذ مخططاتها المرسومة بشأن المنطقة والعالم حتى يدرك أنصارها في عالمنا العربي مدى الوهم الذي تعلقوا به بعد أن يكتشفوا أنهم لم يجنوا من موقفهم سوى الحصرم! فمن المدهش أنه رغم وضوح جوانب الحق والباطل بشأن القضية العراقية بشكل لا تتطلب معه كثير اجتهاد، وهو وضوح يذكرنا بالحديث النبوي الشريف (الحلال بين والحرام بين)، إلا أن البعض راح يؤيد الموقف الأميركي بشكل غير مسبوق ما أفرز تيارا جديدا يمكن وصفه بالانبطاحيين الجدد، وهم امتداد لفريق المنبطحين على صعيد الصراع مع اسرائيل والذي صدع أدمغتنا بسلامية المجتمع الاسرائيلي وسرعان ما تبخر إزاء المجازر التي ترتكبها اسرائيل ضد الفلسطينيين العزل على مدى سنوات الانتفاضة الثانية. غير أن ما يسم الفريق الجديد هو المبالغة في الانبطاح مسايرة للواقع الذي آلت اليه الأمور في النظام الدولي!! ويجد هذا التيار بشكل عام جذوره في سياسات الواقعية المفرطة التي سادت النظام العربي منتصف السبعينيات والتي أدت الى إنفراط عقد العمل القومي العربي وهو ما نعاني من توابعه حتى اللحظة. وفي رأينا أن هذا الفريق يمكن تقسيمه الى ثلاثة أجنحة: يتمثل الجناح الاول في المعارضة العراقية وهى معارضة لم تلق احترام الحليف الأميركي قبل خصمها ممثلا في النظام العراقي ولك أن تتخيل مدى وطنية معارضة تأتي على أسنة رماح المحتل، والأنكى أن حليفها الوافد يشك في قدراتها فيلفظها وهو أمر يجعلها خارج المناقشة أصلا. أما الجناح الثاني فهو ذلك الذي يعكس تطور العمالة، سواء من قبل الأفراد أم الدول، في ظل التطورات العالمية المعاصرة التي وصلت حد تعيين الجواسيس عبر الاعلانات في الصحف والانترنت. وهذا الجناح يعلن عن عمالته بوضوح ولا يجد أية غضاضة في ذلك. أما الجناح الثالث فهو ذلك الذي يتباكي على ما يحدث في بغداد في الوقت الذي لا يتوانى فيه عن تقديم كل ما يمكن لتركيع أهلها سواء بالدعم في السر أم بالانغماس في الحرب النفسية الإعلامية ضدهم. فضلا عما يضمه هذا الجناح من بعض أصحاب النوايا الحسنة الذين تأثروا بالهجمة الإعلامية الشرسة التي تشنها واشنطن وأعوانها عرباً وغير عرب على النظام العراقي. ويجسد فريق الإنبطاحيين مسرح اللامعقول على الساحة السياسية في عالمنا العربي.. والا فهل يعقل أن يخرج علينا مسئول من بني جلدتنا ـ للأسف ـ يعلن دون تأنيب ضمير أنه لا يوجد في عالمنا العربي من لا ينام حزينا على ما يحدث لبغداد، ولكن من السبب؟ هكذا يضيف. وهنا كما يقول المثل مربط الفرس، فهذا التيار أو الجناح يحاول أن يلقي بتبعة الحرب على العراق أو بالأحرى نظام صدام. وحتى لا تتوه الحقيقة في زحمة خلاف مثل هذا فإننا بداية نؤكد على مثالب النظام العراقي في ظل حكم صدام حسين، ونشير الى أن محور الحديث لا ينصب على الدفاع عن هذا النظام فليذهب الى الجحيم ولكن القضية هنا: على يد من وفي أي سياق؟. هذه هي النقطة الجوهرية التي نرى أنها لا بد ألا تغيب عن أذهاننا. ففي ظل مجموعة تناقضات تعكسها القضية العراقية فإن الأولوية في رأينا يجب ان توجه للتناقض الرئيسي وليس الثانوي. ونظن أنه لا حاجة بنا الى التأكيد على أن التناقض الرئيسي هنا هو كيفية دحر الهجمة الشرسة على العراق والحفاظ على مقدرات شعبه وليس استنساخ تجربة الاستعمار بعد أن انقرضت من العالم أجمع باستثناء عالمنا العربي حيث الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، والاستعمار الجديد القادم على أبواب بغداد! إن ضعف الحجج الأميركية بشأن القضية العراقية لا يحتاج الى مناقشة، ورغم ذلك ناقشناه في مقال سابق، في إطار أن الأزمة تفرض علينا إعادة طرح البديهيات للمناقشة في مواجهة الإلحاح الإعلامي الأميركي علينا بهذه الحجج وتبنيها من بعض القطاعات في العديد من الدول العربية تطبيقا لمنطق جوبلز: اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون. ومن الغريب هنا أنه في الوقت الذي وصلت فيه السيولة الإعلامية حدها الأقصى في ظل التطورات التقنية العالمية وهو ما يعبر عنه البعض بأن العالم تحول الى قرية صغيرة، يصل الخطاب الأميركي بشأن الأزمة والحرب على العراق حده الأقصى أيضا في تغييب العقل! رغم أن المفترض العكس، بمعنى ضرورة تمتع هذا الخطاب بدرجة كبيرة من العقلنة حتى يكتسب أكبر قطاع من المؤيدين في طرف الخصم.. غير التقليدي هذه المرة حيث يضم قطاعا عريضا من دول ومنظمات وشعوب. وإلا فبأي معنى تقود الولايات المتحدة أكبر عملية عسكرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ضد دولة أخرى هى العراق بدعوى تحريرها. ممن؟ من نظام يقوم على رأسه مسئولون يتمتعون بالجنسية العراقية!! أى نظام وطني بغض النظر عن مساوئ هذا النظام، فمساوئ الأنظمة في مختلف دول العالم عديدة ولم تصل تركيبة النظام الدولي إلى حد إقامة حكومة عالمية لادارة شئون وحداته الممثلة في الدول. الغريب أن الولايات المتحدة في حربها التحريرية راحت تواصل ما اتهمت صدام بالقيام به وهو ارتكاب مجازر في حلبجة، حيث قتلت في يوم واحد من القصف نحو 57 شخصا من جماعة أنصار الإسلام الكردية، وهى جماعة لا تنتمي الى النظام العراقي بأية صلة وكل جريمتها اتهامها من قبل واشنطن بالارتباط مع منظمة القاعدة! مجرد اتهام! لقد ساهم هذا الفريق الذي ظهر وبجرأة غير معهودة في سماء نظامنا العربي، نظرا لقوة الطرف المتحالف معه، في القضاء على البقية الباقية من مقومات هذا النظام، وسيتطلب الأمر عقودا لاصلاح الشرخ الناتج عن مواقفه. وكما قال روبين كوك لبلير بأن بريطانيا ستندم على تركها أوروبا وتحالفها مع الولايات المتحدة فإن هذا الفريق من الإنبطاحيين سيندم على انسلاخه من عروبته، والمشكلة أنه لن يدرك ذلك سوى بعد فوات الأوان

طباعة Email