عمرو موسى يتساءل!، بقلم: احمد عمرابي

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 رغم ان دعوة عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية الى ضرورة اعادة النظر في النظام العربي لا تتضمن حيثيات تفصيلية، الا انها دون شك تلقى تجاوبا شعبيا كاسحا من المحيط الى الخليج، فيكفي ان عمرو موسى اختزل الحيثيات في قوله ان النظام العربي الراهن فشل في التعامل مع قضيتي العراق وفلسطين. لكن ما هو السبيل الى اقامة نظام عربي جديد؟ وما هي الشروط المطلوب استيفاؤها لقيام هذا النظام الجديد؟ فلنعترف اولا بأننا امة لاتزال خاضعة لسيطرة استعمارية وما لم نتحرر اولا من هذه السيطرة الاستعمارية الخارجية فان اي حديث عن نظام عربي جديد يكون سابقا لاوانه. لمدى قرون كانت الامة خاضعة للاستعمار التركي العثماني وما ان انهارت الامبراطورية العثمانية كاحدى نتائج الحرب العالمية الاولى حتى انتقلت الامة الى استعمار اوروبي، اما الحالة التي نعيشها الآن فهي استعمار اميركي من نوع جديد بدأ في اعقاب الحرب العالمية الثانية. بالتالي تكون محنتنا الراهنة كما يلي: قيام نظام عربي استقلالي يتطلب اولا التحرر من الحالة الاستعمارية والتحرر من الاستعمار يتطلب حرية العمل النضالي وحرية العمل النضالي لن تتوفر الا في ظل نظام ديمقراطي يوفر حريات التعبير والتنظيم واستقلالية القضاء. احلال الديمقراطية اذن هو الاساس ومن هنا ينبثق سؤال: كيف تحصل الشعوب العربية على الحريات الاساسية من انظمة حاكمة ليست على استعداد للتجاوب مع هذا المطلب؟ لقد فشل النظام العربي الراهن في قضية العراق كما سبق ان فشل في قضية فلسطين، كما قال عمرو موسى. وسوف يفشل في اي تحد عربي مستقبلي طالما ان هذا النظام لا يتحرك في اي اتجاه الا وفقا لارادة خارجية، لكن قيام نظام عربي جديد يتحرك من وحي الاعتبارات الحقيقية للأمن القومي العربي ليس مسألة يمكن ان تتحقق بجلسات تفاوضية بين الانظمة الحاكمة.. ذلك ان اي نظام عربي جديد ذي طبيعة استقلالية ينبغي بالضرورة ان يكون النقيض الكامل للوضع السائد. ومهما بلغت بنا المجادلات والمناقشات في هذا السياق فاننا سوف نعود على الدوام الى نقطة البداية.. وهي الشارع العربي، فاستحداث نظام عربي جديد هو بالضرورة مسئولية الفئات الشعبية، بالتالي فان النظام العربي الراهن سوف يبقى على قيد الحياة السياسية طالما ظلت الفئات الشعبية تدير ظهرها لمسئوليتها على المستويين الوطني والقومي. والغريب حقا ان البيئة الدولية الراهنة مواتية لحركة التغيير الجماهيري في العالم بزخم لم يسبق له مثيل، فجماهير الشارع في الغرب ـ بما في ذلك الولايات المتحدة ـ اخذت تتجاوب مع مشاكل وأزمات شعوب العالم الثالث والطبقات الحاكمة في اوروبا اخذت تتمرد على الهيمنة الاميركية والاصوات المنتقدة للدعم الغربي التقليدي لاسرائيل اخذت تتعالى في الدوائر الاكاديمية والاعلامية، وبينما تتجاوب حكومات وحركات شعبية في اندونيسيا وماليزيا وكوريا بشقيها الجنوبي والشمالي والمكسيك وفنزويلا مع حركة الرفض الشعبي والحكومي في الغرب فان رياح التغيير لا تهب على الوطن العربي. ومنذ نهاية الحرب الباردة لم تتوفر ظروف ايجابية لتحرك عربي راديكالي على الصعيد الحكومي كما نشهد الآن، فالصراع الدولي المتفاعل يتجه صوب عالم متعدد الاقطاب عوضا عن عالم القطب الاوحد، وهذا هو ما عكسته المعركة الدبلوماسية الطويلة حول المسألة العراقية على صعيد مجلس الامن الدولي، حيث انقسمت القوى الدولية الكبرى الى معسكرين متواجهين: الولايات المتحدة وبريطانيا على جانب وفرنسا وروسيا والصين على الجانب الآخر. في خضم هذا الانشطار على الساحة الدولية كان متاحا للنظام العربي ان يحقق استقطابا لصالح القضية الفلسطينية والقضية العراقية باستغلال التناقض بين القوى الدولية عن طريق تشديد العزلة الدولية على الولايات المتحدة ومعها اسرائيل. لكن كما رأينا فان النظام العربي، عوضا عن التحرك باستقلالية انطلاقا من دواعي الامن القومي العربي، فانه كان عمليا يناصر الولايات المتحدة على القوى الدولية الاخرى. هذا يعود بنا الى نقطة البداية: فلو كان النظام العربي الراهن يخشى محاسبة شعبية لما تصرف على هذا النحو، ولكن كيف تكون هناك محاسبة شعبية في غياب حريات التعبير والتنظيم؟ اجل لقد تحرك الشارع العربي على نحو مشهود لرفض العدوان العسكري الاميركي على العراق، لكنه تحرك انفعالي املاه تفاعل ظرف استثنائي. ولان النظام العربي يدرك هذه الحقيقة ويستنبط منها ان هذا الفوران مؤقت فانه احنى رأسه للعاصفة فلم يكن هناك قمع حقيقي للمظاهرات. وبعد: فان عمرو موسى بحسه القومي وغيرته جدير بالاشادة والثناء على ابتدار الحديث عن ضرورة اعادة النظر في النظام العربي الراهن، فمبادرة عمرو موسى مفيدة على اقل تقدير في تركيز الضوء على سؤال يتكون من كلمة واحدة: كيف؟!

طباعة Email