استراحة البيان، يكتبها اليوم: محفوظ عبدالرحمن، كلمة أثارت ضجة !

الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 أعرف أن الناس ينامون ويقومون الآن أمام أجهزة التلفزيون يتابعون الأخبار، ولم يعد يخفى عنهم شيء. بل أصبح لديهم جهاز اخباري آخر هو التلفزيون، بمجرد أن يسمع أو يرى خبرا جديدا يدق لصاحبه التليفون ينبهه اليه خشية أن يكون قد دخل الحمام ففاته.ولا أريد هنا أن أشير الى أننا أصبحنا أمة تتفرج ولا تصنع شيئا، فهذا موضوع آخر. لكنني أقصد أننا جميعا مشغولون بالاخبار، وأنه لا يفوتنا شيء، صحيح أننا نختلف في تفسير الاخبار أحيانا، أو حتى في أهميتها، ولكن هذا ناتج من أننا تحولنا الى جنرالات تقود المعارك عبر الشاشة الصغيرة. أعرف الكثيرين ممن وضعوا خطط القتال، ويسارعون الى التلفزيون ليتأكدوا أن الخطط التي وضعوها تسير كما حددوا، فاذا لم يكن بدا الغضب عليهم من جهل المتشككين والبعض وضع خططا شديدة الطرافة مثلا صديق لي اقترح على نفسه ـ فلا طرف آخر يقترح عليه ـ أن يعامل العراقيون قوات التحالف «معاملة مختلفة» فإذا وقع بين أيديهم أربعة أسرى من الجنود وكان أحدهم من ولاية تكساس وهي ولاية الرئيس بوش واثنان من ولايات أخرى وانجليزي ـ يرى صديقي اساءة معاملة الأسير التكساسي. أما الانجليزي فيعاد معززا مكرما الى أهله.ويرى صديقي أن هذا السلوك سيربك العدوان. اذ يفرق بين الأميركيين، ويثير دهشة الانجليز، ويشغل التحالف بالتفسير والمناقشة. اذا لم يحدث هذا تتغير الخطة فورا لكن تظل فروق المعاملة موجودة. وليس صديقي هو الجنرال الوحيد بين أصدقائي، فهناك من وضع خريطة للعراق على الحائط ورشقها بالدبابيس، ولونها بالخطوط.وفي ظني أن الجيل التالي سيحصد خبرة عسكرية كبيرة آتية من التلفزيون. وسط هذا لايمكن أن يكون هناك خبر مجهول أولا يستقبله أحد. ولكن ما حدث في مصر خلال الاسبوع الماضي يثير الدهشة. لقد كنت مشغولا حتى البقية الباقية من شعر رأسي الذي اختفي مع السنين عندما وجدت التليفون يدق في كل مكان، وأصدقائي حتى الذين اختفوا منذ سنوات يسألونني عن حديث وزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف وأدهشني ذلك فلست أحد جنرالات الحرب، ولم أضع خططا من أي نوع.ولما كنت كما قلت مشغولا طلبت منهم أن يحددوا ما يسألون عنه فقالوا في استحياء علوج الأميركان! كل من أعرفهم سألوني هذا السؤال. والعلج لغة هو الرجل الشديد الغليظ وهو اسم مازال موجودا، وهناك الكاتب المسرحي المغربي أحمد الطيب المعلج.ولكن الكلمات لها أحيانا معان مختلفة، فلسان العرب يقول إن الكلمة تعني أيضا كل ذي لحية وهو تحديد غريب، ففي الوقت الذي وضع فيه «لسان العرب» كان كل رجل له لحية، فالكلمة تعني هذا الرجل، ولا أظن هذا صحيحا.وربما كان المقصود من كان له لحية متميزة، ربما في الحجم أو في اللون أو في الشكل. ولكن كلمة علوج بهذا المعني ليست مألوفة بالنسبة لنا لكن المألوف بالنسبة لنا هو ما يقوله المعجم من ان العلج هو الرجل من كفار العجم. وبمجرد أن أثير السؤال صعد الى رأسي التعبير القديم الذي قرأناه منذ أن كنا صبية : ثم أتى علج من علوج الروم. وربما قيل : وحمل على علج من علوج الروم فشق رأسه بسيفه وأظن أن الصحاف قصد هذا المعني وربما كان من مخزونات التراث الثقافي العراقي. ولكن الكلمة أثارت هذه الضجة التي أشرت اليها لأنها في العامية المصرية ذات معنى بذيء.ولم يتخيل الناس أن يخرج وزير ويقول كلمة بذيئة على شاشة التلفزيون، بل ويكررها وأحدهم يقول إنه كررها ثماني مرات، وآخر يقول بل احدى عشرة مرة. بعض الجنرالات رأوا في هذا تصعيدا للحرب. فاذا استخدم وزير كلمة بذيئة فهذا يعني أن الحرب وصلت الى أقصاها. ومن الطريف أن كثيرا من المتسائلين كن من النساء، وهذا ما يدل على تغير نوعي في الحياء، أو ربما دل على اهتمام النساء بالحرب الى حد سقوط الحياء. وعندما قلت لاصدقائي أن كلمة علوج ليس فيها ما يخجل بدا عليهم الاحباط، وقد أدركت من هذا أنهم كانوا يريدونها أيضا حرب كلمات بذيئة. وأنا أشك في هذا، ولا أظن أن الرئيس بوش يوافق على هذا. فهو يذكرني بلويس التاسع. وكان لويس شديد التدين ولذلك خرج قائدا للحملة الصليبية السابعة وهي من أهم الحملات الصليبية وأقواها وقصد مصر ونزل دمياط واستولى عليها. وكان قصده أن يحطم الارادة المصرية قبل وصوله الى بيت المقدس الحلم الذي أشعل الخيال الأوروبي آنئذ الى حد الجنون. وكان لويس مهووسا بالهدف الديني، أما أعوانه من ملوك وأمراء أوروبا فكان الهدف الاستعماري واضحا لهم. ولا أظن أن الرئيس بوش يشبه لويس في هذا، فهو يشرف على عقود البترول العراقي ويشارك في خطط اعادة تخطيط المنطقة. وما أغرب التاريخ عندما يعيد نفسه رغم استياء صديقي العلامة الدكتور يونان لبيب رزق من هذا التعبير، فلقد كانت الأمة آنئذ في نفس ضعفها الآن.وكانت مصر في ختام الدولة الأيوبية وملكها نجم الدين طريح فراش لم يقم منه أبدا.وكانت القوات العسكرية لا تزيد كثيرا على ألف من المماليك، وبعض العسكر، وبعض المجاهدين. ومع ذلك تجمعت هذه القوات المتهالكة وهزمت الحملة الصليبية، وأخذت قائدها لويس التاسع أسيرا حيث حبس في دار ابن لقمان في مدينة المنصورة، وبالطبع هذا فارق آخر بين بوش ولويس. فأنا أعتقد أن بوش لن يعرض نفسه للأسر، وأنه لن يقترب من الشرق الأوسط الا اذا انتهى أمر كان مقضيا، وبالتأكيد لن يعتمد على فكرة رامبو ـ وأنه سيأتي لانقاذه من حبس العراقيين اذا أسروه أسوة بسلفة لويس. فلقد اتضح لنا نحن الذين ننام أمام نشرات الأخبار غياب عنصرين من أهم عناصر الحرب اثارة، الأول هو غياب أسلحة الدمار الشامل. والثاني هو غياب رامبو الذي لم يمنع قتل أو أسر الجنود الأميركيين. وانتصر الجيش المصري الذي كان وهميا آنئذ على سبعين ألف مقاتل أوروبي مجهزين بأحدث الأسلحة ومزودين بعدد كبير من رجال الدين يدفعونهم لتحرير بيت المقدس من الكفرة الذين هم العرب طبعا ـ وخرج لويس من الأسر بعد دفع فدية كبيرة. ورغم أنه من تقاليد الحرب ألا يعود الأسير الى القتال الا أن لويس المهووس دينيا قاد بعد ذلك حملة على تونس ليحررها ويتخذها قاعدة للوصول الى مصر ثم بيت المقدس، لكنه مات في هذه الحملة ودفن في تونس ومنحه البابا أعلى ما يستطيعه من درجات التكريم وهو لقب قديس.ولا أدري اذا كان البابا الحالي من الممكن أن يمنح بوش لقب قديس وذلك لأن البابا كما نعرف هو رأس الكنيسة الكاثوليكية، وبوش بروتستانتي.وربما كان البابا يوحنا الثاني متفتحا لدرجة أن يعبر هذا الخلاف المذهل فيمنح بوش لقب قديس أسوة بسلفة لويس التاسع. ومن الغريب أن حرب لويس التاسع أنتجت قصصا هائلة في التاريخ العربي. مثلا مات الملك نجم الدين أيوب أثناء معركة المنصورة ورأت زوجته شجرة الدر أن اعلان خبر موت الملك سيضعف من الروح المعنوية، فاخفت الخبر. وحجبت «الملك» في خيمة، وأخذت تصدر الأوامر مختومة بخاتم الملك حتى تم النصر. وقاد النصر مملوك من الدرجة الثانية هو الظاهر بيبرس الذي أصبح أهم اعداء الفرنجة في ذلك الزمان، وأهم المدافعين عن الأمة. وتولي بعد نجم الدين ابنه الاحمق توران شاه. فلما انقلب على مماليك أبيه قتلوه كما قال المقريزي «قتيلا حريقا غريقا» إذ بعد أن طعنه احتمى ببرج على النيل فلما أحرقوا البرج القى بنفسه في الماء. وتولت شجرة الدر وكانت أول امرأة تحكم منذ العصر البطلمي عندما حكمت كليوباترا.وبعدها قام بيبرس تحت قيادة قطز بهزيمة المغول أحلاف الفرنجة في عين جالوت. وأذكر أنه في هذه الحرب المثيرة استخدمت كلمة علوج الفرنجة، لكن الأمر لم يثر هذه الضجة التي أثارتها الكلمة الآن. ولم يحاول الأميركان ـ الذين لم يكونوا قد وجدوا بعد ـ معرفة معنى الكلمة فأتوا بالمتخصصين يحاولون شرح معنى الكلمة.وأتمنى ألا يكون البروفيسور فؤاد عجمي من هؤلاء المتخصصين لأنه يملك قدرا من الجهل والحقد على العرب ما يجعله لا يصلح لشيء. على أي حال فؤاد عجمي هو من علوج العرب. ولعلي أكون أول من استخدم هذا التعبير.

طباعة Email