«أم القصر ـ نجراد» والحرب بالشوكة والسكينة !!، بقلم: معصوم مرزوق

الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 لا أدري لماذا تذكرت جنود قسم الشرطة في الإسماعيلية الذين رفضوا التسليم لجنود الجيش البريطاني المحتل، وقاوموا بأسلحتهم البدائية ضد الإمكانيات الهائلة التي تمتلكها بريطانيا العظمى آنذاك.. وبعد أن انتهت ذخيرة الجنود المصريين ومات منهم من مات وجرح من جرح، خرجوا شامخين أمام القائد البريطاني الذي لم يملك سوى الإنحناء تقديراً وإعجاباً لمقاومتهم الباسلة.. نعم.. أنحنى ذلك القائد المستعمر.. ولقد استعرت في عنوان هذا المقال المقطع الثاني من اسم أشهر المدن التي تمت محاصرتها وقاومت بشجاعة منقطعة النظير أمام القوات النازية المتفوقة، وأعني بالطبع مدينة « ستالينجراد»، كي أضيفه إلى تلك القرية العراقية الصغيرة التي دخلت التاريخ واسمها «أم القصر».. بعد يوم من بدء الغزو على العراق، وقف متحدث عسكري أميركي طويل، وقال من طرف أنفه بثقة يحسد عليها: «سقطت أم القصر».. ولكن عدسات التلفزيون في اليوم الثالث نقلت معارك شرسة في نفس المنطقة.. ومرة أخرى يقف نفس المتحدث الأميركي الطويل، وهو يقول نافخاً صدره: «سقطت أم القصر».. ولكي يفسر البنتاغون هذا التناقض دخل محللوه في شرح طويل يوضح أن «سقوط أم القصر لا يعني سقوط أم القصر، لأن هناك فارقاً بين السيطرة وبين عمليات التنظيف وبين عمليات التكتيك وعمليات الإستراتيجية، وأن المسألة تتلخص في بعض الجيوب الصغيرة من المقاومة جار التعامل معها، حتى نتفرغ لمهمتنا الأساسية وهي الوصول إلى بغداد وإسقاط النظام العراقي خلال اليومين المقبلين».. وظن العالم أن المسألة انتهت عند هذا الحد.. ولكن.. ولكن في اليوم التالى تبين أن المعارك لا تزال دائرة في أم القصر، ومرة أخرى وقف القائد إياه كي ينفخ صدره ويقول بثقة غريبة «سقطت أم القصر»، وفي مواجهة أسئلة الصحفيين الذين لم يخفوا تعجبهم، بدأ يشرح فقال ان السبب في هذا اللغز هو أن العراقيين يقاتلون بطريقة غير شريفة، حيث أنهم يتخفون خلف المدنيين، كما أنهم يختبئون في أماكن معينة ويصرون على القتال، وهذا أمر غريب وغير معقول، لأن هدفنا هو تحريرهم، ويجب عليهم التمسك بشرفهم العسكري بأن يستسلموا!! من المدهش أن القائد الأميركي يطلب من «العسكريين العراقيين» أن يستسلموا كي يكونوا شرفاء، ولا أدري في أي معهد عسكري قد علموه أن استسلام الجندي يعني الشرف ؟!، ثم ما هو المخالف للنشاط العسكري في قيام الجيش العراقي بالإختباء والمناورة ؟، هل تعلم في معهده العسكري أنه يجب أن يقف مثل البطة أمام القوات الغازية كي تتفضل وتتكرم بقتله؟.. القتل الإنساني على أية حال لم تكن تلك هي المفاجأة الأخيرة، ففي اليوم التالى تبين مرة أخرى أنه لا تزال هناك معارك جارية في أم القصر رغم تأكيدات ذلك القائد وقادة آخرين ورغم لقطات جذابة لجنود الغزاة ومعهم بعض جنود آخرين يتنزهون ويأكلون ويضحكون في أم القصر، ومرة أخرى يقف القائد الطويل كي يقول بلا خجل «سقطت أم القصر»، وأصبح الناس في حيرة من أمرهم، فاما أن ذلك القائد الكاوبوي يتحدث عن أم قصر في المريخ، وإما أن تلك المقاومة التي لا تزال مستمرة في أم القصر هي عفاريت من الجن كلما قامت القوات الغازية بصرفها تعود بإصرار وعناد أكبر.. ووقفت مذيعة من CNN ، وهي نفس المذيعة التي متعتنا بطلعتها البهية أثناء حرب الخليج الثانية وكذلك حرب أفغانستان، كي تتبادل حديثاً ودياً مع قائد بريطاني في ميناء أم القصر كما قالت، وكان الحديث شيقاً، هي تقول له بدلال: «بماذا تفسر المشكلة ؟»، فيقول لها بثقة ابن الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس: «أن الموقف مسيطر عليه تماماً، ولقد سقطت أم القصر، والمشكلة أنه بسبب حرصنا على المدنيين العراقيين، فاننا نحارب بحذر شديد، لأننا قدمنا إلى العراق كي نحرر شعبه ولا ندري لماذا يتخذون ذلك الموقف العدائي غير المفهوم».. وأصبح ذلك الموضوع على رغم مأساويته مجرد نكتة أثارت سخرية العالم كله مما تردد عن القدرات غير المسبوقة لقوات المارينز وأبناء الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس، إلا أنه من المؤسف أننا لم نجد قائداً أميركياً أو بريطانياً واحداً لديه الشجاعة كي يقف مثلما وقف ذلك الضابط الاستعماري أمام قسم شرطة الإسماعيلية ويحني جبهته أمام صلابة وبسالة هؤلاء النشامى العراقيين والاعتراف بشجاعة هؤلاء الذين تصدوا بإمكانياتهم المحدودة لجيشين يمتلكان أقصى ما وصل إليه العقل الشيطاني من أسلحة التدمير في حملة أطلقوا عليها «الصدمة والرعب». وأظن أن الحرب قد تنتهي وما زالت المقاومة مستمرة في «أم القصر ـ نجراد»، مع استمرار القادة الأميركيين والإنجليز في ترديد جملتهم المتكررة «سقطت أم القصر». ولقد تكرر نفس الأمر في الناصرية وقرى أخرى صغيرة في العراق، فاليوم يقول القائد الطويل أن «الناصرية» قد سقطت، ثم يتبين أن «الناصرية» قد ردت الغزاة وأحدثت فيهم خسائر فادحة، وهكذا دواليك.. وكما ذكرت فان هذه الحرب قد أمتلأت بالمفاجآت، إلا أن المفاجأة التي أضحكت العالم كله، هي صورة طائرة الهليوكوبتر «الآباتشي» التي صدعنا المحللون عن قدراتها وإمكانياتها، فقد قام فلاح عراقي عجوز بإسقاطها ببندقية يرجع تاريخها إلى أيام الإمبراطورية العثمانية، أي أن بندقية القرن التاسع عشر نجحت في اسقاط أقوى وأحدث طائرات القرن الواحد والعشرين، وعندما ظهرت هذه الصورة لأول مرة في التلفزيون كنت جالساً مع بعض الضيوف الأجانب (ومنهم أميركيون)، وعندما بدأ الفلاح العراقي العجوز في الرقص ببندقيته حول الطائرة التي رقدت مهيضة الجناح، لم نتمالك أنفسنا من الضحك، وضحكنا أكثر عندما ظهر ذلك القائد الأميركي الطويل وهو يقول بثقة لم يعد يحسد عليها أنه ربما تسبب الهواء في إسقاط الطائرة، وأن الطيارين لابد أنهم هبطا إضطرارياً وفي طريقهما الآن إلى قواعدهما سالمين.. وأتضح بعد أن ظهر الطياران في التلفزيون العراقي أنهما ربما فضلا التوجه إلى بغداد كي يقوما وحدهما باسقاط النظام.. أرجوك.. استسلم!! وتخلى القادة الأميركيون في النهاية عن تناول المعارك العسكرية وبدلاً من ذلك بدأوا يتحدثون عن مهمتهم الإنسانية والمعونات التي تتأخر بسبب عدم تأمين أم القصر، وربما كي يحضوا الناس على المقاومين في أم القصر الذين تسببوا بسبب موقفهم المتعنت في تعطيل وصول الحنان الأميركي والحب الإنجليزي إلى أهل العراق، بل وبدأ هؤلاء القادة وخاصة ذلك الطويل يشكو بمرارة من مكر العراقيين ويكاد يستعطفهم كي يستسلموا حتى يحافظ مشكوراً على حياتهم، بينما ظهر الرجل الطيب وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد كي يشكو بدوره من إصرار العراقيين على الصمود، ويرجوهم ويستحلفهم بكل غال ونفيس أن يتركوا سلاحهم وينقذوا شرفهم العسكري ويحافظوا على حياتهم ويستسلموا، وعندما يسأله المذيع المغلوب على أمره عن هؤلاء العراقيين الذين وعد بأنهم سيستقبلون جنود المارينز بالورود والأحضان، يقول الوزير الطيب دون أن يختلج له جفن أن السبب في ذلك أنهم خائفون، وعندما نحررهم من الخوف سوف يدفنوا جنودنا الميامين تحت أطنان من الزهور. وهكذا فان هدف الحملة العسكرية الأميركية الإنجليزية لم يكن نزع أسلحة الدمار الشامل، ولم يكن فقط تغيير النظام في العراق، وإنما لحمل الطعام والدواء إلى الشعب العراقي، وبالتالى فان حاملات الطائرات لا تحمل طائرات بل مطابخ ومخازن ملوخية وبامية وبطيخ، وصواريخ كروز الجديدة في هذه الحملة لا تحمل متفجرات وإنما شوك وسكاكين وبعض الصحون كي يأكل الناس ويشبعوا، أما هؤلاء القادة العسكريون والضباط والجنود الأميركيون والبريطانيون فهم في الأصل طهاة وسفرجية وعمال نظافة من محلات مكدونالد، أما القتلى والجرحى المدنيون الذين تناثروا في مدن وقرى العراق فليسوا إلا مجموعة ممثلين وإرهابيين يريدون تشويه سمعة حملة «حرية العراق»، ولعل كل ذلك يفسر لغز سقوط أم القصر ونهوضها كل يوم، لأن الحملة الغذائية الأميركية التي قام بها بعض متعهدي المواد الغذائية بالتعاون مع بعض كبار رجال البترول الأميركيين، تلك الحملة لا تهدف إلى القتل والذبح، وكان العراقيون جاحدين وناكري جميل، كما أنهم مخادعون أيضاً، حيث ينقضون على الجنود الأميركيين والإنجليزيين الذين يظهر بوضوح عدم وجود خبرة عسكرية لديهم، فهم مجرد طهاة وسفرجية وعمال مائدة، لذلك فان هجوم العراقيين على هؤلاء الأبرياء الغزاة يعد مخالفاً لإتفاقية جنيف وإتفاقية مكدونالد ورامسفيلد. ولعل شر البلية ما يضحك فعلاً، ولكنني أعتقد أنه من واجبنا على الأقل أن نحني جباهنا إحتراماً وتوقيراً لرجال ونساء وأطفال «أم القصر ـ نجراد» الذين رفعوا جباههم وجباه كل الأحرار في العالم بتلك المقاومة الباسلة دفاعاً عن شرف الأرض في وجه تلك الهجمة البربرية غير الأخلاقية، لقد أثبتوا بالفعل أن الكلمة الأخيرة للشعوب، مهما كان القهر والعنف والدمار. ـ كاتب مصري

طباعة Email