الى اللقاء، بقلم: سيد زهران، صحفيون وجنرالات

الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 لا أدري لماذا تسيطر عليّ صورة «القروية الحافية وصياد السمك» كلما تسمرت كما الملايين من أشقائي العرب أمام شاشات التلفزيون لمتابعة مشاهد الحرب الأميركية البريطانية على العراق، والتي ابتدعت كل فضائية لها اسماً يعكس احياناً موقفاً سياسياً أو توجهاً إعلامياً أو مزاج القائمين عليها، وتحولنا نحن ـ الذين لا نملك سوى دور «الكورس» اليوناني العاجز ـ الى مشاهدين سلبيين لما يشبه ألعاب حروب «الفيديو جيم»، وتضع بيننا وبين ما نشاهده حواجز «الاستلاب» عن الذات والوعي والتاريخ، تغرقنا في متاهة بصرية زائفة بلا رؤية ولا بصيرة، بحيث لا نكتوي بآلام الفقد والترمل والثكل والتيتم التي تحرق قلوب أشقائنا المستضعفين في العراق. مشهد «القروية الحافية وصياد السمك» ليس مجتزأ من مسرحية أو فيلم سينمائي، بل هو شاهد على ارتباط الصحافة العربية بمعارك أمتنا وشعبنا العربي ضد موجات الغزو والاستعمار الأوروبي التي لم تنقطع منذ مطلع العصر الحديث وحتى الألفية الثالثة، مهما تعددت الصور وتباينت الأسماء واختلفت الأسلحة والرايات. ففي عام 1956 عندما تعرضت مصر لعدوان ثلاثي بريطاني فرنسي اسرائيلي، هدفه المعلن الاطاحة بـ «الفرعون والطاغية جمال عبدالناصر» كما زعموا وقتها وتأديبه على تأميم قناة السويس، وقتها لم يتخلف الصحفيون العرب عن دورهم في المقاومة بأدواتهم وأسلحتهم المدمرة للأضاليل والأكاذيب التي تطلقها أبواق الغرب للتغطية على جرائم الحرب، ولكسر الروح المعنوية، والتعتيم على المقاومة الباسلة للمحاصرين في مدن القناة، من السويس مروراً بالاسماعيلية وحتى بورسعيد. في خضم الحملات الصحفية العربية لفضح العدوان في كل العواصم، تسللت صحفية مصرية وزميلها بملابس قروية حافية وصياد سمك الى داخل بورسعيد ونشرا تحقيقات مصورة عن قصص المقاومة للغزاة البريطانيين والفرنسيين، وهما الآن وبعد قرابة نصف قرن من العمل في بلاط صاحبة الجلالة يقفان على أعلى السلم المهني وخلفهما ميراث حافل من العطاء. القروية الحافية هي الكاتبة أمينة شفيق وصياد السمك هو الكاتب والأديب أحمد بهجت. وهناك فكرة تستحوذ على ذهني كلما شاهدت ما يجري من أفعال الضرب والقصف والتدمير في حرب تحمل اسم «تحرير العراق» وهي مقولة الفيتنامي قائد حرب التحرير ضد الغزاة الأميركيين هوشي منه: «الاستعمار تلميذ بليد لا يتعلم من دروس التاريخ». وأجدني في كل مرة اكتشف معنى جديدا لها، بقدر ما تسوقه لنا الفضائيات من مشاهد حية من البصرة موطن إمام الزاهدين الحسن البصري، أو النجف الأشرف وكربلاء حيث توجد مقامات أئمة آل البيت والعترة النبوية الشريفة الإمام علي بن أبي طالب أول من أسلم من فتية قريش، زوج الطاهرة فاطمة الزهراء، وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين وغيرهما ممن تحتضنهم أرض العراق ساحة المجد والخلود. ويدهشني تفجر المشاعر النبيلة لصحفيين أحرار، مفعمة أرواحهم بالنزاهة والموضوعية، ينتصرون بأقلامهم للحقيقة ويهزمون غطرسة الجنرالات ويمزقون أستار الزيف والخداع، منهم كثيرون، أخص منهم روبرت فيسك البريطاني الغيور على العرب أكثر من كثيرين ممن لا يحملون من العروبة سوى الهويات وجوازات السفر. روبرت فيسك مراسل «الاندبندنت» الذي وصف مشاهد قصف سوق شعبي ببغداد بأنه مشهد فاحش.. ليس وحده، هناك أميركيون وأوروبيون انحازوا للحقيقة ولم يغمضوا عيونهم ولم يكمموا أفواههم طوعاً أو كرهاً، حتى لو فقدوا مناصبهم، منهم بيتر ارنيت أشهر مراسل حربي تلفزيوني أميركي، مفصول بسبب قول الحقيقة.. لهم جميعاً نكن نحن الصحفيين الاحترام والتقدير والفخر لانتصار القلم على المدفع، والصحفي على الجنرال!

طباعة Email