أين «محور الخير»؟!، بقلم: أحمد عمرابي

الاربعاء 30 محرم 1424 هـ الموافق 2 ابريل 2003 لولا أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة لما تعرضت أفغانستان الطالبانية لحرب شاملة. لكن العراق كان سيُضرب في كل الأحوال. وبنفس هذه الحتمية الأميركية يأتي دور سوريا.. ومن ثم إيران. حتى قبل بداية الحملة الدبلوماسية الدعائية طويلة المدى التي شنتها ادارة بوش على العراق كتمهيد لشن هجوم عسكري عليه، ظهرت في وسائل الاعلام الأميركية تسريبات بأن لدى البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) «قائمة للضرب» تتضمن سوريا وإيران جنباً إلى جنب مع العراق. والآن، ولما تنته الحرب على الأرض العراقية بعد، نسمع وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين يتناوبان في توجيه اتهامات إلى كل من سوريا وإيران.. وكأنما يهيئان الأذهان لخطوة مستقبلية ما. في مناسبتين مختلفتين اتهم الوزيران سوريا أولاً بأنها تقوم بتهريب أسلحة عبر الحدود إلى السلطات العراقية. ثم اتهما سوريا وإيران معاً بدعم منظمات «إرهابية».. وأضافا اتهاماً آخر لإيران بأنها تواصل السعي لإنتاج أسلحة نووية. ونعلم إجمالاً ان سوريا وإيران ومعهما العراق جميعها مدموغة أميريكياً بأنها دول «راعية للإرهاب» ودول «مارقة»، وأن العراق وإيران يشكلان مع كوريا الشمالية «محور الشر». ونعلم قبل ذلك أن العراق وإيران معا استهدفتا ولا تزالان مستهدفتين بسياسة أميركية ثابتة قائمة على عداء رسمي معلن تحت اسم «الاحتواء المزدوج». تأسيساً على هذا كله يعجب المراقبون من أن هذا التحرش الأميركي لم يحفز هذه الدول الثلاث إلى التصرف جماعياً بما تمليه طبيعة الحال في ظروف عدائية خارجية كهذه. فلماذا ـ يتساءل المراقبون ـ لم تسع هذه الدول إلى إنشاء تحالف استراتيجي ثابت من أجل حماية بعضها البعض بصورة جماعية من الخطر الأميركي عوضاً عن السماح للولايات المتحدة للاستفراد بكل دولة على حدة كما هو عليه الحال؟ لقد كان ظن المراقبين انه اذا قامت الولايات المتحدة فعلاً بشن حرب شاملة على العراق فإن غريزة البقاء وحدها على الأقل سوف تدفع بالدول الثلاث الى بدء العمل في إقامة التحالف الاستراتيجي الآمن أو التفكير فيه بجدية على أقل تقدير. ولكن ما كادت بواكير الصواريخ الأميركية تنطلق صوب بغداد حتى سارعت القيادة الإيرانية إلى إعلان رسمي بأنها تتخذ ازاء هذه الحرب موقف «حياد». إن علاقة سوريا مع العراق، من ناحية أخرى، جيدة لكنها لم تبلغ حتى الآن مستوى التحالف الاستراتيجي. كانت سوريا في مقدمة الدول التي كسرت الحصار العقابي المفروض على العراق فأحيت التبادل التجاري بين البلدين. وأعادت الحكومة السورية فتح خط الأنابيب النفطي الذي ينطلق من الأراضي العراقية إلى ميناء سوري على البحر الأبيض لنقل النفط العراقي الخام إلى السوق العالمية. وعلى الصعيد الدبلوماسي كانت سوريا في مقدمة المدافعين عن العراق في وجه الهجوم الدبلوماسي الذي شنته الولايات المتحدة على صعيد مجلس الأمن الدولي. وربما تعتبر السياسة السورية نحو العراق أفضل من سياسة دولة أخرى نسبياً لكنها مع ذلك لم تبلغ مستوى التضامن الاستراتيجي المتبادل. إن مثل هذا التضامن على مستوى محور ثلاثي بين هذه الدول الثلاث حيوي لأمنها في مواجهة الولايات المتحدة بحسابات الحياة أو الموت لأن السياسة الأميركية تجاه هذه الدول الاسلامية مؤسسة على ثوابت مستديمة لن تتغير. فهذه السياسة مبنية على اعتبارات أمن اسرائيل وضمان ليس مجرد بقائها وانما تفوقها بمستوى سيادي استعماري على منطقة الشرق الأوسط بأسرها. ولذا فإن مآخذ واشنطن على هذه الدول الثلاث متداخلة عضوياً. فالعراق كدولة عربية تملك كل مؤهلات القوة الإقليمية من ثروات طبيعية وبشرية وحيوية حضارية يعتبر من أهم الأرقام في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. ولذا يتوجب حذفه من المعادلة مبكراً بإلغاء وجوده المعنوي على الخريطة السياسية للشرق الأوسط. وسوريا تستضيف المنظمات النضالية الفلسطينية التي تعارض لعبة «السلام» الأميركية ـ الإسرائيلية الزائفة وتسند فصائل الكفاح المسلح داخل الأرض المحتلة. كما ان التحالف السوري الاستراتيجي مع القطاعات الوطنية في لبنان من شأنه منع قيام دويلة مارونية موالية لإسرائيل داخل الوطن العربي. وإيران تدعم المقاومة الوطنية اللبنانية ضد إسرائيل المتمثلة أساساً في «حزب الله» واللوجستيات الدبلوماسية إقليمياً ودولياً. وإيران تملك برنامجاً نووياً من أجل الاستخدام السلمي أنشئ بمساعدة روسية. وتمارس واشنطن ضغوطاً على كل من روسيا وإيران نفسها لتصفية هذا البرنامج خشية ان يتطور إلى مرحلة انتاج أسلحة نووية. فمن بين ثوابت السياسة الأميركية أن تبقى إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط حتى يكون السلاح النووي الإسرائيلي سيفاً مسلطاً على شعوب المنطقة. من منظور صهيوني تتماثل كل الدول الثلاث ـ العراق وسوريا وإيران ـ ومن هذا المنظور تتعامل واشنطن مع كل واحدة منها على حدة. ويبقى إذن السؤال: لماذا لا يقوم تحالف استراتيجي ثلاثي ذو أضلاع عراقية وسورية وإيرانية موجه ضد عدو مشترك. إنه «محور الخير» الذي سيكون أبلغ رد على «محور الشر».

طباعة Email