هل هي حرب دينية؟، بقلم: أحمد عمرابي

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 هل هي حرب مسيحية ضد شعب مسلم؟ لا توجد إجابة بسيطة ومباشرة عن هذا السؤال. الحقائق الظاهرية المرئية قد تخلق انطباعاً لدى الفرد المسلم بأن القوات الاميركية والبريطانية المدعومة بمساندة استرالية واسبانية تشن حربا صليبية ضد شعب العراق المسلم. لكنه انطباع سطحي، فالمسألة اعمق واشد تعقيداً. ونبدأ بطرح تساؤل: لماذا يحرص الرئيس الأميركي جورج بوش من حين لآخر على اضفاء مسحة دينية في خطاباته العلنية بشأن الحرب وكأنه يخوض الحرب كاستجابة لامر «إلهي»؟ لقد ذهب الرئيس بوش أبعد من ذلك كثيراً. فبعد ان اشتعل القتال فعلا على الارض العراقية جرى توزيع كتيب على الجنود الاميركيين في الميدان يحمل عنوان «واجب المسيحي». ومحتويات ذلك الكتيب تتألف من أدعية دينية يطلب من الجندي تلاوتها يوميا، من ذلك مثلا: «ادعُ من اجل ان يلجأ الرئيس ومستشاروه الى الله وحكمته كل يوم فلا يعتمدون على فهمهم الخاص». «ادع ان يكون الرئيس ومستشاروه اقوياء وشجعانا لعمل الصواب بغض النظر عن المنتقدين». ان تأليف مثل هذا الكتيب وتوزيعه على عشرات الألوف من الجنود الاميركيين وهم في حالة قتال ضد قوات مسلمة داخل ارض اسلامية، يوحي وكأن الرئيس الاميركي دخل الحرب بقلب راهب مسيحي من أجل تحقيق نصر ديني للامة المسيحية، لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. فلو كانت الحرب الاميركية البريطانية ضد الشعب العراقي حقا حرباً مسيحية صليبية لما وقف ضدها بابا الفاتيكان راعي المسيحيين الكاثوليك في جميع انحاء العالم، وكبير اساقفة كانتر بيري في بريطانيا راعي مئات الملايين من المسيحيين البروتستانت في العالم بما في ذلك الاغلبية البروتستانية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة. مع ذلك فان الحرب على العراق حرب دينية، لكن العدوان ليس مسيحياً وانما هو يهودي. ولهذا فهي حرب يعارضها المسيحيون في العالم بقدر ما يعارضها المسلمون. انها حرب تنطوي على اجندة مخفاة لنشر النفوذ اليهودي الصهيوني على العالم بأسره. بشعوبه المسيحية والمسلمة. ومن اجل هذا يتخوف منها بابا الفاتيكان وغيره من قادة الكنائس المسيحية في الغرب والشرق مثلما يتخوف منها المسلمون. والهجوم على العراق ليس سوى مدخل ابتدائي. لكن اذا كان الامر كذلك فلماذا يتبنى جورج بوش وتوني بلير هذه الحرب، وهما كما تقول وسائل الاعلام الغربية «ملتزمان» في عقيدتهما المسيحية؟ هذا هو بيت القصيد. فالرئيس بوش اختار لنفسه ان ينتمي الى جماعة اطلقت على نفسها «الانجيليين الصهاينة» .. وهي جماعة تضع نفسها تحت خدمة الحركة اليهودية في الولايات المتحدة باسم مسيحي زائف. ومن اجل تبرير تحالفهم مع اليهودية الاميركية التي تكرس نفوذها السياسي داخل دهاليز مؤسسة السلطة الأميركية من اجل بقاء اسرائيل ونفوذها كقلعة متقدمة لنشر النفوذ الصهيوني عالمياً، فان جماعة «الانجيليين الصهاينة» ابتكرت تفسيرا جديداً للانجيل يلائم اساطير الرؤية «التوراتية» التي انشئت على اساسها الدولة اليهودية الاسرائيلية. في الانجيل رواية عن «عودة المسيح» الى الارض. وعندما يقع هذا الحدث» فانه يكون ايذانا باقتراب يوم القيامة فتنتشر العقيدة المسيحية بين بني البشر أجمعين. اما التفسير الجديد الذي طلعت به جماعة «الانجيليين الصهاينة» في الولايات المتحدة ـ والذي يتبناه جورج بوش ـ فهو ان «عودة المسيح» سوف تكون ايذانا باستكمال كيان «دولة بني اسرائيل» فيتم استرداد «الهيكل» ولا يخفى انه تفسير وضع خصيصا ليلائم اهداف الحركة الصهونية العالمية. ولذا فان جماعة «الانجيليين الصهاينة» لا يمكن أن تكون ناطقا باسم المسيحيين في العالم بمختلف طوائفهم، انها تنظيم صهيوني صرف يتخذ لنفسه رداء مسيحيا زائفا. هذا التنظيم هو الذي يقف الان وراء الحرب الاميركية على العراق. وجورج بوش ليس العضو الوحيد في هذه الجماعة التابعة للحركة الصهيونية. فالفريق الذي يمثل هذه الجماعة داخل الادارة الاميركية يضم ايضا وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومساعده (اليهودي) بول فولفتز. نفهم اذن لماذا اتخذت الشعوب المسيحية في جميع انحاء العالم موقف معارضة حازمة وصارمة ضد الحرب على العراق، من خلال المظاهرات الضخمة التي ظلت تتوالى حتى قبل ان تبدأ الحرب في الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية أوروبا وأميركا اللاتينية. ويبدو في هذا السياق ان ما يخشاه بابا الفاتيكان هو ان تنخدع الشعوب الاسلامية والشعوب المسيحية معا بتلك السمة الدينية التي يضفيها جورج بوش على الحرب، فيتراءى لها ان الحرب تشن باسم المسيحية ضد الاسلام فتقع فتنة دينية بين المسيحيين والمسلمين في مرحلة ما من مسار الحرب. هذا هو تفسير ما ظل البابا يكرره من انه يأمل «ألا تؤلب الحرب المسيحيين والمسلمين على بعضهم بعضا فتتسبب في اندلاع كارثة دينية».

طباعة Email