«حلف أطلسي » جديد.. لمواجهة «الشرق الأوسط الكبير»! ـ بقلم: محمد مشموشي

الاربعاء 24 شعبان 1423 هـ الموافق 30 أكتوبر 2002 العنوان أعلاه ليس من عندنا، ولا هو يندرج في أي سياق آخر: التخمين مثلا عما يمكن ان يفكر به الغرب تجاه المنطقة، أو التهويل بما قد ينتظر العرب في الغد انه مقتبس، وبصورة حرفية تقريبا، من دراسة وضعها مسئولان في ادارة بيل كلينتون السابقة، هما رونالد أسموز وكينيث بولاك، ونشرت في العدد الأخير من مجلة «بوليسي ريفيو» التي يصدرها معهد هوفر للدراسات في الولايات المتحدة. مضمون الدراسة لا يختلف كثيرا عن «مبدأ بوش» الذي يعتمد الحرب الوقائية والضربات الاستباقية لاحكام سيطرة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة على العالم، الا أنه يتميز عنه بجعل هذه السيطرة تركب حصان التحالف الغربي الذي قام عقب الحرب العالمية الثانية والذي يجب مده الآن - كما تقول - ليشمل حلفاء الأمس وأعداءهم معا لتشكيل جبهة واحدة في مواجهة العدو الجديد. وبهذا المعنى، فهي دعوة سياسية - أكاديمية موجهة الى الأدارة الأميركية الحالية، التي تقف عند مفترق طرق الأحادية ( Unilateralism ) عن حلفائها في مجمل سياساتها الدولية، والى حكومات الدول الأوروبية والغربية عموما، التي تنتقد توجه واشنطن هذا وتطالبها بحد أدنى من التعددية Multilateralism لتوسيع تحالفها القديم وجعله ملائما لمهمات الغرب في القرن الحادي والعشرين الجديدة. ولكن كيف ؟!، من خلال اقامة «حلف أطلسي جديد» يتعامل، كما تقول، مع التحديات الكبرى التي لم تعد تنطلق من داخل أوروبا كما كان الحال أيام الاتحاد السوفييتي السابق وحلف وارسو وانما من خارجها. أما هذا الخارج فتطلق عليه الدراسة اسم «الشرق الأوسط الكبير». وتحدده بأنه يمتد من شمالي أفريقيا الى أفغانستان وباكستان مع امتداداته في وسط آسيا والقوقاز ولا يحتاج المرء الى جهد ليكتشف انه يضم كامل المنطقة الجغرافية التي تنتشر فيها أكثرية العرب والمسلمين في العالم. وأما السبب، فهو احداث الحادي عشر من سبتمبر في واشنطن ونيويورك، والتي تهدد الدراسة أوروبا بأنها يمكن ان تتكرر في باريس او لندن او برلين او بروكسل في أي يوم. أكثر من ذلك، فواضعا الدراسة لا يريان في التوسيع المقترح لحلف شمالي الأطلسي ليضم سبع دول جديدة، وللاتحاد الأوروبي ليضم سبع دول أخرى بدوره، أي معنى سياسي أو استراتيجي اذا لم يكن توسيعهما يصب في خانة اقامة وتعزيز الحلف الجديد هذا الحلف الذي يصفه أسموز وبولاك بأنه سيساهم في «حماية الديمقراطية والأمن في كامل المنطقة الممتدة ما بين بحر البلطيق والبحر الأسود». العدو الأخطر دواعي ذلك، تقول الدراسة، أن «أوروبا تعيش في سلام مع نفسها الآن» بعد حوالي خمسين عاما من اللاأمن وانقسام القارة سياسيا واستراتيجيا بين شرق وغرب ووسط فوضع ألمانيا الداخلي ووضعها في أوروبا قد استقرا تماما، كذلك هو الحال في شرق أوروبا ووسطها اللذين عادا الى الغرب، اضافة الى أنه تم بناء قواعد لروسيا ديمقراطية مندمجة فعليا بأوروبا وتشكل جزءا لا يتجزأ منها، وتضيف انه «لو أمكن للرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان ولزملائه من قادة أوروبا، الذين تعاونوا معه في اعادة بناء القارة بعد الحرب العالمية الثانية، أن ينظروا اليها اليوم فلن يكون لديهم الا ما يفخرون به من انجازات كانوا هم قد وضعوا قواعدها، ولم تتحقق في النهاية الا بأسمهم». الا أن أوروبا وحتى الولايات المتحدة نفسها، برغم ذلك كله، ليست آمنة حاليا ولا هي بمنأى من التهديد في وجودها ولكن هذه المرة من الخارج، كما تقول الدراسة، أي من هذا «الشرق الأوسط الكبير» بالذات الدليل هو ما شهدته واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 والأسباب، من وجهة نظرها، عديدة لكنها تتمحور كلها حول العالمين العربي والاسلامي، وهي الأرهاب، أسلحة الدمار الشامل، الهجرات الجماعية الى الغرب، الدول المارقة الفاشلة في المنطقة، والتهديد بتمزيق خطوط الحياة الأقتصادية في العالم. اذن فالمهاجرون في الولايات المتحدة وأوروبا، وفي مقدمتهم طبعا العرب والمسلمون، يصبحون صنوا للأرهاب ولأسلحة الدمار الشامل، واذا يصبح هؤلاء بالضرورة هدفا من أهداف «الحرب على الأرهاب» التي تخاض الآن على امتداد العالم من قبل الولايات المتحدة. لماذا على أوروبا أن تشترك في هذه الحرب، وجنبا الى جنب مع الولايات المتحدة ؟! لأن «أوروبا على بعد ثوان فقط من معظم الارهابيين اليوم... وغالبا ما جعل هؤلاء من أوروبا منصتهم المفضلة للقتل حتى عندما كان ضحاياهم أميركيين أو اسرائيليين او من المنشقين عليهم.. وأيضا لأن وجود أسلحة دمار شامل وصواريخ باليستية متوسطة المدى في أيدي دول شرق أوسطية مارقة سيجعلها قادرة، في كل حال وفي أية لحظة، على ضرب مدن في أوروبا». تماما، تستطرد الدراسة لتقول، كما كان الحال في السنوات الخمسين الماضية «حيث كان هدفنا المشترك هو الدفاع عن أوروبا ضد التهديدات النابعة من داخل القارة ذاتها، أما أخطر التهديدات للأمن في أميركا وأوروبا فيأتي اليوم من الخارج، وهذا التهديد، بالنسبة للجيل الحالي من قادتنا، هو نظير التهديد الذي شكله ستالين الى حد كبير، وواجهه ترومان وزملاؤه الأوروبيون، في العام 1949 ومع أن المهمة لن تكون سهلة ولا هي رخيصة أو سريعة، كما كان بناء اوروبا آمنة وديمقراطية في الماضي، الا أنها ستجعل حياتنا وكذلك العالم كله أفضل بكثير». بل وأكثر من ذلك، فالدراسة تقتبس من وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر وصفه وجود أسلحة دمار شامل في أيدي الأرهابيين، مدفوعة بأيديولوجيات معادية للغرب، بأنها أشبه بـ «تهديد توتاليتاري جديد»، لتضيف اليه: ان المتطرفين الاسلاميين اليوم، مثلهم مثل التوتاليتاريين في القرن العشرين، انما يدعون أنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وهم يحتقرون، لكنهم يستغلون انجازاته التكنولوجية ويستخدمونها في أعمالهم لتدميرها، فضلا عن أنهم يعتبرون ان القوة والارهاب ضروريان للوصول الى طوباوية جديدة تحل محل هذا العالم الفاسد والذي يستدعي الاحتقار. تعتمد الدراسة، مثلها مثل التيار العام السائد في الولايات المتحدة، على مقولة ان «هؤلاء يكرهوننا»، الا أنها لا تقف طويلا أمام أية أسباب وراء الكره في حال وجوده وعندما تحاول تلمس شيء من ذلك، وتتحدث عما تسميه «جذور المشكلات القائمة في المنطقة»، فانها لا تجد ما تقوله الا ترداد عبارات عن فقدان الديموقراطية وعن عجز انظمة الحكم وفسادها وعن التخلف عن العصر ولا ترى حلا لهذه المشكلات الا عبر تغيير أنظمة الحكم وتعليم السكان والنخب السياسية والفكرية في تلك الدول دروسا في الديموقراطية والحريات السياسية وحرية التعبير والاصلاح بما في ذلك اساسا «القيم الغربية» كما تفهمها الولايات المتحدة وأوروبا فبينما معظم العالم، حسب ما ورد في الدراسة، بدأ يسير بثبات الى القرن الحادي والعشرين، فان «الشرق الاوسط الكبير» يشد نفسه الى القرن الرابع عشر. ولا يخلو التعبير، هنا، من اشارة جديدة الى أن المقصود بالتحديد هو العالم الأسلامي، وأن التحالف الجديد المطلوب ستكون مهمته التدخل في هذا العالم والعمل على تغييره، بل وعلى تغريبه في الواقع ودائما تحت مظلة «الحرب على الأرهاب». ذلك ان الشكل الجديد للارهاب، في رأي واضعي الدراسة، تغذيه ينابيع من الكره ومن السخط على امتداد المنطقة والنتيجة، يقولان، هي «نشوء بحر ماوي (نسبة الى ماوتسي تونغ) يسبح فيه هؤلاء الأرهابيون ويختبئون، أيديولوجياتهم وقضاياهم تشجع على ضرب أهداف عسكرية أميركية في يوم، مهاجمة مدنيين اسرائيليين او ألمان أو بريطانيين في يوم آخر، والاعتداء على رجال أعمال فرنسيين في يوم ثالث». وقد تكون مسألة وقت فقط أنه لم يتم استخدام أسلحة دمار شامل بعد من قبل الارهابيين او من قبل الدول المارقة في هذه الاعتداءات، لكن السؤال الوحيد هو ما اذا كانت «القاعدة» هي التي ستستخدمها أولا ضد الولايات المتحدة، أو سيستخدمها الـ GIA ضد الفرنسيين، أو الانفصاليون الكشميريون ضد الهند، أو أية مجموعة أخرى ضد أي بلد آخر. لهذه الأسباب، تضيف الدراسة، ينبغي اقامة تحالف أميركي - أوروبي لا تهزه أية خلافات كما لا تقف في وجهه اية عراقيل وتحدد طريق الوصول الى ذلك كما يأتي: «حتى لو أننا قمنا بتحسين دراماتيكي لدفاعاتنا في الداخل، فلن يكون في مقدورنا بناء أي شيئ قريب من نظام كلي الأمن ان نسبة نجاح بحدود 90 في المائة قد تكون ممتازة في بعض الحالات، الا انها لن تكون جيدة بما فيه الكفاية لمواجهة مجموعات ارهابية وانظمة تريد ان تستخدم اسلحة تدمير شامل ضدنا فالفشل بنسبة عشرة او حتى واحد في المائة قد يؤدي الى موت الآلاف أو ربما عشرات الآلاف من المدنيين لدينا». الوسيلة المثلى تستبعد الدراسة، في هذا السياق، اعتماد اساليب سياسية لتنفيذ مخططها لـ «الشرق الأوسط الكبير» بغض النظر عن حقها في التخطيط لمستقبل تلك المنطقة أو في تنفيذ ما تخطط له فيها فالقوة المسلحة ستكون أداة التنفيذ شبه الوحيدة، لأنه سيكون من الخطأ، كما تقول، «تبني شكل حديث من اشكال استراتيجية خط ماجينو (الذي أقيم في أثناء الحرب العالمية الثانية)، بل ينبغي التوجه مباشرة الى جذور القضايا وليس الاكتفاء بظواهر الأرهاب او بالمشكلات التي تواجهنا في حينه، وينبغي التأكيد على أن تمتلك هذه الاستراتيجية مكونا حربيا، وبالتالي فعلى دول أوروبا ان تشترك بفعالية وبقوة في هذا المكون الحربي، وأن «تضع أموالها حيث يكون فمها» حسب التعبير الحرفي الوارد في الدراسة. يضع الكاتبان في مقدمة أهداف التحالف الجديد بين الولايات المتحدة وأوروبا، «حلف الأطلسي» بصيغته الجديدة، دولة أفغانستان «التي يجب التزام انجاح الحكومة الجديدة فيها بقدر ما كان هناك التزام بالحاق الهزيمة بطالبان»، ثم يأتي بعد ذلك موضوع الصراع العربي - الاسرائيلي «حيث من شأن التحول السياسي والاقتصادي (في المنطقة وفي أنظمة الحكم فيها) أن يؤدي الى تسهيل المصالحة العربية - الاسرائيلية، التي تحتاج بدورها الى الدفع خطوات أخرى الى الأمام في وقت لاحق.. فقد لا يكون في قدرتنا حل المشكلة الاسرائيلية - الفلسطينية في المدى القريب، الا اننا نحتاج للسيطرة عليها بحيث نتمكن اذا من التعامل مع التهديدات الأخرى. واذا فلا مشكلة اقتلاع شعب، هو الشعب الفلسطيني، من بلاده ومحاولة ابادته جماعيا في ما تبقى منها هي المشكلة، ولا مشكلة احتلال أراض عربية في سوريا ولبنان هي المشكلة، ولا مشكلة نظام عنصري توسعي يتنكر للحقوق ولقرارات الأمم المتحدة هي المشكلة.. بل مجرد عداء للمصالحة من قبل أنظمة لا ديموقراطية سيتغير حتما بعد تغير هذه الأنظمة!! ثم تتدرج قائمة الأهداف لتتناول تغيير الحكم في العراق «وهما سيحتاجان الى غزو شامل للعراق، حيث سيكون أفضل لكل المعنيين في الولايات المتحدة وأوروبا الاشتراك معا وجنبا الى جنب»، ولاحقا يأتي دور أيران «التي يجب تغيير نظام الحكم فيها، ولكن بطرق مختلفة تماما عما هو عليه الأمر في العراق»، ثم أخيرا وبالاصرار ذاته احداث تغييرات جوهرية «ليس فقط لدى اعدائنا، وانما ايضا لدى اصدقائنا وحلفائنا على امتداد المنطقة كلها». قراءة هذه الدراسة - الوثيقة قد تكشف أنها لا تتطابق كليا مع نهج اليمين المتطرف الذي يحكم سياسة البيت الأبيض ووزارة الدفاع حاليا وكون واضعي الدراسة من أعوان الرئيس بيل كلينتون السابقين، اي من الحزب الديموقراطي، قد يعني بدوره أن مضمونها ربما لا يجد تجاوبا لدى من يطلق عليهم اسم «المحافظون الجدد» الذين يسيطرون على الحزب الجمهوري في هذه المرحلة. الا أن ارتكاز الوثيقة على محاولة سد الهوة التي تزداد وضوحا الآن بين الولايات المتحدة من جهة والاتحاد الأوروبي (بل وأوروبا كلها) من جهة ثانية، في قضايا مثل اعلان الحرب على العراق لمجرد الظن باحتمال امتلاكه اسلحة دمار شامل في الوقت الذي لا تعلن فيه مثلها على كوريا الشمالية برغم اعترافها بالسعي لامتلاك مثل هذه الاسلحة، ومثل تدمير منظمة الأمم المتحدة من خلال السياسة الأنفرادية التي تعتمدها ادارة بوش بعيدا عن حلفائها، أو تهدد بتنفيذها بعيدا عن المنظمة الدولية، ومثل اعتماد مبدأ «من ليس معنا فهو ضدنا» حتى في التعامل مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، قد يجعل منها - أو من بعض نقاطها - جزءا من سياسة قد يتبناها بوش في المرحلة المقبلة. عند هذا الحد يبدو وجه من وجوه الأهمية الكامنة في الدراسة - الوثيقة الاستراتيجية التي وضعها مساعدا كلينتون السابقان، الا أن الوجه الآخر يكمن في واقع ان الخلافات بين الساسة الأميركيين، سواء بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري أو بين الديموقراطيين في ما بينهم والجمهوريين في ما بينهم، لا تعدو كونها خلافات في الأسلوب وربما في الشكل فقط، فيما التوافق شبه تام على أن تقوم استراتيجية «الدولة العظمى الوحيدة في العالم» على وحدانية الهيمنة على العالم، والتفوق العسكري والاقتصادي على دوله مجتمعة، واقامة نظام عالمي يكون في محصلته في خدمة مصالح تلك الدولة من دون غيرها بما في ذلك حلفاؤها في أوروبا وفي غيرها. لكن الأهم، وعمليا الأخطر، من ذلك كله، هو أن «العدو» الاستراتيجي الذي افتقدته «امبراطورية روما» الجديدة بزوال الاتحاد السوفياتي والكتلة الأشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، قد استبدل بالمعنى الايديولوجي لكلمة عدو بالاسلام وبالمعنى الجيوسياسي بالمنطقة التي عرفتها الدراسة بـ «الشرق الأوسط الكبير»، أي تلك التي ينتشر فيها من يدينون بهذا الدين على اختلاف أعراقهم وأثنياتهم وألوانهم وحتى مصالحهم. وقد لا تتحول مفاهيم الدراسة الى سياسة رسمية للولايات المتحدة الأميركية، وربما حتى للغرب كله (من يدري ؟)، على المدى القريب، الا انها تعبر من دون شك عن توجه ما حقيقي كان المنظر الأميركي صامويل هنتنغتون تحدث عنه صراحة في كتابه عن « صراع الحضارات» وجاء الآن (رونالد أسموز وكينيث بولاك) من يحول النظرية الى خطة استراتيجية تحت عنوان اقامة «حلف أطلسي» جديد تكون مهمته الأساسية ليس العمل على فرض هيمنة الغرب العسكرية والسياسية والاقتصادية على المنطقة فقط وانما تفكيك بنياتها الفكرية لمصلحة ما يطلق عليه «القيم الغربية». وتلك هي المسألة الآن، برغم كل الدخان الذي يطلق في الجو عن الدول المارقة و«محور الشر» واسلحة الدمار الشامل الى آخر المعزوفة . ـ كاتب لبناني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات