الجزيرة «نزوة» قطرية أم «حاجة» عربية ـ بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 في حياتنا العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكثير مما نختلف عليه فيما بيننا، إلا أن الاختلاف حول ((ظاهرة الجزيرة))، واعني بها المحطة التلفزيونية المنطلقة من الدوحة، ربما يحتاج منا إلى وقفة تأملية حول دور هذه المحطة وأهدافها. هذه الوقفة تستدعي الحذر وتبتعد عن التبسيط أو التعميم، ويجدر أن يُعمل فيها العقل ويُبعد عن العاطفة. فالإعلان الذي صدر الأسبوع قبل الماضي من وزراء الأعلام في الخليج ((بمقاطعة الجزيرة)) هو إعلان يدل على غياب الرؤية، وأكثر من ذلك على ضعف القدرة، فالتاريخ لا يسير باتجاهين متعاكسين في منطقة واحدة. في موضوع الجزيرة لا بد من التعاطف بشدة مع فئة عربية يدعونها الدبلوماسيين بـ ((السفراء العرب في الدوحة))، فهذا السفير العربي أو ذاك الذي لا حول له ولا قوة فيما يحدث، معرض عمله في الدوحة، وربما مستقبله، للخطر أكثر من أي سفير عربي في أية عاصمة أخرى، فالكثير منهم تضطرب حياة أبنائهم وعائلاتهم وهم عرضة للتذبذب المهني، بسبب ما تقوله ((الجزيرة)) في بعض الأحيان عن حق، وفي أحيان أخرى عن غير ذلك، بل ومحشو ربما بالاستفزاز مما لا يضيف شيئا معقولا للصالح العام. ولكن واحدا من الضحايا يبقى هو السفير الذي يجد نفسه فجأة في غير موقعه وربما لا يعود إليه. يأتي من يقول لك أن هذه المحطة هي من جملة الحملة الأميركية على المنطقة لإظهار الكثير من سوءتها تمهيدا لتغييرها، وعندما تتفحص الوثائق ترى أن الكتابات الأميركية غاضبة أيضا، في شكلها الرسمي على الأقل، مما تقوم به هذه المحطة، فالكثير من ما تبث هو في الواقع نقد قاسي لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، بل تجد أن بعض المسئولين الأميركان أنفسهم يكثرون في أحاديثهم الخاصة من النقد لما تقوم به الجزيرة من تحريض ضد مصالحهم، ولكن لا بد من الاستدراك أن وسائل الأعلام الأميركية تنقل عن ((الجزيرة)) الكثير وتستشهد بها، فكيف يكون الشيء ونقيضه في الوقت نفسه. أي سر! يتحدث البعض عن أن للجزيرة أجندة خاصة بها، وتتفحص القول لتتعرف على الأجندة بعقل مفتوح، فتحتار ما إذا كان هناك أجندة بعينها، لان الجزيرة فيها الأبيض والأسود والرمادي أحيانا، بل أن قسوة - وربما صلف - بعض المحاورين تجدها في أكثر من مشهد وبأكثر من اتجاه. وقد تختلف أو تتفق مع وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم، إلا أن ما قاله عبر ((الجزيرة)) الأسبوع الماضي لم يتعود عليه، على الأقل، المواطن العربي، فكيف وهذا الكلام يأتي من وزير خارجية في منصبه، ليشكل ما يشبه ((الاستجواب)) العلني الذي لم يسبق أن قدمه أي مسئول عربي آخر! إذاً ما هو سر ((الجزيرة)) إن كان هناك أسرار؟ لعلي أسارع إلى القول انه لا يوجد، حسب علمي حتى الآن، إعلام مستقل كل الاستقلال، فلابد أن يكون وراءه ((مصلحة)) ما، والكتابات الأكاديمية الغربية الكثيرة تقول لنا مثلا أن وراء كل من وسائل الأعلام الغربية مصالح، أما صناعية أو اقتصادية أو سياسية أو حزبية، مصالح من نوع ما، صحيح أن بعضها يبدو، من دقة تنفيذه بشكل مهني رفيع، أن لا مصالح خلفه إلا المصالح المرسلة للناس، إلا أن الأغلب الأعم من وسائل الأعلام له متكئات بشكل ما. من المؤكد أن مارشال مكماهون كان محقا جزئياً عندما أطلق رؤيته في الثلث الأخير من القرن العشرين في أن العالم سيتحول إلى قرية كونية صغيرة، ولو أن هذه القرية لم تتحقق إلا في الأعلام والاتصال، لان هذه القرية ما زال بها الكثير من الفوارق اقتصاديا وثقافيا ، فهي مليئة بالأزقة المتربة، وغير المنيرة، ومنازلها ليست كلها موصولة بالمياه الجارية، وبها من يمارس الطقوس التقليدية عوضاً عن الطب الحديث. مكماهون محق إن فهمنا قوله أن القرية الكونية تحققت بسبب سرعة وسائل وثورة الاتصال غير المسبوقة. ويبدو أن العرب في ثورة الاتصال هذه قرروا أن يدفعوا البلايين من الدولارات ليسمعوا بعضهم بعضا، أو قل لينقدوا بعضهم بعضا، و((الجزيرة))اخترقت جزئيا هذا الاستماع البيني المحدود بين العرب إلى فضاء اكبر نسبيا، عندما اتخذت خطوات عملية للالتصاق بالإحداث وخاصة في أفغانستان، وبالتحديد في بداية انطلاق تلك الإحداث الدامية، فقد نقل عنها العالم كما تابعها ملايين من البشر، لمعرفة ما يدور هناك. كان ذلك بسبب مهم دون التطرق إلى ((نظرية المؤامرة)). ذاك السبب هو مصالح مشتركة بين طرفين: ((الجزيرة)) كناقل وكوسيلة إعلام يهمها الانتشار، و((القاعدة)) كتجمع سياسي يريد أن يوصل صوته إلى العالم دون أن يتكلف كثيرا. ولا أنسى أحد الأصدقاء القطريين الرسميين في تلك الأيام عندما قال تعليقاً على وجود كويتيين وسعوديين وبحرينيين في زمرة تنظيم القاعدة: ((الحمد لله لا يوجد أحد من القطريين مع القاعدة)) ثم استدرك ضاحكا : ((إلا الجزيرة))...! ولكن الجزيرة ليست فقط ناقلاً للأخبار الساخنة، فهي أيضا مقدمة لبرامج مكلفة وتقنية ومهنية تجبر الكثير من المشاهدين العرب في أماكن كثيرة أن يتابعوها، وخاصة المختصين ومن يريد أن يفهم العالم حوله بشكل أكثر جدية. قوة الاختراق ان ((ظاهرة)) الجزيرة تفرض علينا الحديث عن الإشكالية المعقدة بين الأعلام الحديث وتقنياته وتنفيذه بشكل فيه حرفية عالية وحديثة، وبين المجتمع العربي المعاصر بنسيجه المعقد، وثقل ثقافته التقليدية، ولا استثني هنا أحدا من المجتمعات بما فيه المجتمع القطري، الذي تنطلق من أرضه ((الجزيرة))، فهذا المجتمع العربي على امتداد الدول العربية وفي الخارج، الذي تربي لفترة طويلة على ((الحماية)) الفكرية والمعلوماتية، يضيره التدفق الإعلامي ويؤثر في سلوكه في نظر البعض، حتى لو كان ذلك غير صحيح من حيث المبدأ. إن المعروف شعبيا والمتداول عن طريق السماع والقول المنقول، خطأ كان أم صحيحاً، قد يصبح خطيرا عندما يؤطر من خلال شاشة، ويصل إلى المشاهدين، ويعتقد البعض أن ذلك يختلف تأثيره عندما يذاع عنه وعندما يقال وينقل بين الناس هذه الفكرة المركزية هي ما يقلق البعض ويجعل مما تقوم به الجزيرة موقع خلاف، يتعدى الخلاف في الرأي إلى تفسير النوايا. ظاهرة ((الجزيرة)) في بعض تجلياتها هي صدى للسلوكيات السياسية العربية، فبعض العواصم تجّرب المقاطعة، ثم تجرب التودّد، ثم تجرب التفاعل، كما أن بعض مقدمي البرامج يستخدمون سمعة ((الجزيرة)) أو ((إمكانية تهديدها)) لتحقيق أهداف ((وطنية)) خاصة بموطنهم الأصلي، فيقوم أحدهم باستمالة متحدث رسمي ويكون ((لطيفا)) في جانب معه، ربما مسايرة أو تخوفا من عواقب وخيمة أو ابتغاء منفعة في بلده، و((يبيع)) في نفس الوقت الفكرة لإدارة ((الجزيرة)) على إعتبار أن ما يقوم به هو مكسب إعلامي لا يجب التفريط فيه، وهو أمر ممكن أولا في مثل ظروفنا العربية، ويسميه البعض ((الاختراق)) أو محاولته على الأقل، وذلك بزرع متعاطف ينظر بعين الرضا لما يحدث في بلاده ويسوقه للمشاهد، وهناك شواهد على هذا الأمر لا تخطئها عين المتابع اليقظ، والعكس صحيح أو يمكن أن يصح. قوة ((الجزيرة)) في ضعف الخيارات والبدائل العربية المتاحة، يعضدها هوس الارتياب، وهي قوة تحتمل الضعف في استمرار بعض مقدمي البرامج بخلط الشخصي والموضوعي معا، وتحويل الحوار إلى استنطاق بوليسي، فيتحول البرنامج الحواري إلى برنامج ترفيه للعامة. الجزيرة ليست نزوة قطرية بقدر ما هي حاجة عربية في الوقت الحالي، ومنافسها الصحيح هو رفع سقف الحريات واعتماد الصدق والشفافية والجرأة في طرح الموضوعات العامة، فهي تعتمد على الذكر العلني لما يُعتقد انه محرمات. وعندما تزول المحرمات تبقى ((الجزيرة)) واحدة من محطات التلفاز التي يجوز أن تشاهد كما يجوز الانصراف عنها. ـ كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات