بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 من اجل الخروج من اطار «المجتمع التحصيلي» الذي شكل المجتمع المدرسي منذ عدة عقود والى اليوم في اغلب المؤسسات التعليمية في العالم العربي، الى وضع افضل يكون فيه جميع الطلاب شركاء حقيقيين في تحمل مسئولياتهم الوطنية، وادوارهم المنتظرة، ينبغي تغيير السياسات التشريعية التي وضعت النظام التعليمي السائد الذي ادى الى ان يصبح المجتمع المدرسي «مجتمعاً تحصيلياً» دون ان يلتفت واضعو تلك السياسات الى خطورة مثل هذه المنطلقات التعليمية على مستقبل الاجيال القادمة. والمجتمع التحصيلي هو الذي يمنح التقدير والثقة للطلبة المتفوقين، ويدفع بهم باتجاه تنمية استعداداتهم ومهاراتهم المختلفة، في الوقت الذي يعرض عن اشراك ضعيفي التحصيل الدراسي في تلك الفعاليات والبرامج الا بصورة محدودة!! وبشكل آلي، ومع تكرار تلك الممارسات يتم شطب الطالب المتأخر دراسيا من ذهن المعلمين والمعلمات، ويصبح وجود تلك الشريحة الطلابية عبئاً ثقيلا على الهيئة الادارية والتدريسية، وكأن ثمة بطالة حقيقية منتشرة داخل جدران الفصول ينبغي تحجيمها، والسيطرة عليها!! وليت الاعتراف بوجود بطالة حقيقية ادى بالميدان التربوي الى اعادة النظر في طبيعة العلاقة التي تربط بين فئة المعلمين وفئة المتعلمين اذن لتحولت ظاهرة «البطالة المدرسية» الى «حركة شاملة» تحتوي كافة العناصر الطلابية المثيرة للجدل، وتدفعهم باتجاه تفعيل وجودهم في مجتمعهم الصغير على نحو يشكل اضافة نوعية من التحاقهم بالمؤسسة المدرسية وليس العكس. الا ان الزاوية التي حشرت فيها جموع الطلاب والطالبات افقدت منخفضي التحصيل الدراسي القدرة على القيام بأعمال تستحق الاشادة والتقدير. خاصة وان تلك الزاوية صممت ـ كما سلف ـ على مقاس مرتفعي التحصيل العلمي دون سواهم من الطلاب، وأصبحت الفعاليات والانشطة والبرامج الاثرائية نابعة من تلك الفئة المتفوقة دراسيا التي سمح لها ببعض المشاركات المدرسية في حين اهملت الفئات الاخرى وقد غاب عن وعي من في الميدان التربوي ان كافة الطلاب اصبحوا «جهة تنفيذية» لا اكثر، وغيبوا عن صناعة القرار، وابعدوا عن المشاركة في معرفة الخطط الادارية، واللوائح التي يطالبون بالالتزام بها، مع العلم ان معظم الطلاب يجهلون تلك اللوائح التي قد يحاسبون عليها بعد ذلك!! ومن الغريب حقا ان يطالب «المجتمع التحصيلي» الذي غدا «جهة تنفيذية» بأن يدير شئونه العلمية، ومواقفه السلوكية في المدرسة على اكفأ وجه، في حين ان المشاركة اصبحت هي القضية الغائبة المحكوم عليها بالطرد والابعاد، بعد ان لم تتوفر مساحة قبول نفسي لتصور حدوثها في داخل المؤسسة المدرسية!! لقد كان الاجدر بالتربويين ان يعلموا ان مشاركة الطلاب في صناعة القرار من شأنه ان يرفع مستوى التفاعل بين الطالب والمدرسة، كما انه قادر على حماية الطلاب والطالبات من مشاكل تفوق الحصر، من ابرزها التسرب الدراسي، وضعف الانتماء للمجتمع المدرسي، والاحساس بضآلة الذات، او الشعور بعدم القدرة على الانجاز، الى جانب الرغبة في ايجاد بدائل اخرى خارج اطار المدرسة يفرغون فيها طاقتهم المكبوتة التي لم يعد المناخ المدرسي قادراً على تشغيلها بما يشبع تلك الرغبة الحبيسة في اثبات الذات، والحصول على الدعم الخارجي الذي لم يعد موجودا في حيز الواقع. وتتفق اغلب الدراسات التربوية على ان الاهانة والسخرية التي يوجهها المدرسون للطلبة الراسبين واشباههم من ضعفاء التحصيل العلمي تحتل المرتبة الاولى في قائمة الاسباب التي تؤدي الى ممارسة العنف. وفي الحالات الاكثر تعقيداً يرتفع مستوى استخدام العنف الى وضع شديد القتامة، حيث ادى القهر الناتج عن الاستهزاء الى انتحار تسعة طلاب دون الرابعة عشرة من العمر في العام 1985 كان احدهم فتى هادئاً وديعاً!! وفي جمهورية مصر العربية ادى لجوء المعلمة الدائم الى العنف اللفظي ضد احدى الطالبات، ومداومتها على الاستهزاء بها والسخرية منها الى ان تنفجر الصغيرة ابنة الاحدى عشرة سنة في وجه المعلمة وتكيل لها شتى انواع السباب والشتائم، ثم تجري هاربة نحو النافذة، لتلقي بنفسها من الطابق الثالث وتسقط جثة هامدة، وشاهدا جديداً على فداحة الجرم الذي يمارسه المدرسون الذين يستخفون بمشاعر الطلاب والطالبات ويجترئون عليهم وكأنهم حمى مستباح ينتهكه كل مستخف بكرامة الانسان!! صدقا ـ ايها الاخوة والاخوات ـ ان استمرار المراوحة في دائرة المجتمع التحصيلي سيحرم المجتمع من ازهار ورياحين كان يمكن ان تتفتح... فقط. لو وجدت السبيل الى ذلك!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات